فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن القيام على أئمة الجور قال: (لا ما أقاموا فيكم الصلاة) ، فدلّ على أن الحاكم لو أقام الصلاة فلا يجوز القيام عليه.
فالجواب: في هذا الحديث دليل على أن ترك الصلاة كفر إذا جمعناه مع حديث: (لا إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان) ، فيكون الحديث دليلًا على عدم جواز القيام على الحاكم المسلم ولو كان فاسقًا، والحديث الآخر يدل على أن الحاكم لو طرأ عليه الكفر فإنه يخلع، وأنّ ترك الصلاة كفر بواح، ولا يعني هذا أنه لو أقام الصلاة وكفر من جهة أخرى أنه لا يقام عليه، بل غاية ما في الحديث أنه بين أن ترك الصلاة من الكفر البواح، وكما نؤمر بالقيام عليه إذا كفر بترك الصلاة نؤمر بالقيام عليه إذا كفر بغير ترك الصلاة إذ أنّ مناط الحكم هو الكفر، فمتى وقع منه الكفر البواح وتوفرت فيه الشروط وانتفت الموانع وجب القيام عليه وخلعه.
إذا تبين هذا فاعلم أن الحكم والتشريع هو من أخص خصائص الربوبية إذ أن الخالق المدبر المالك هو القادر وحده على إصلاح وإقامة أمور خلقه في جميع شؤونهم، ومسألة الحاكمية لها تعلق وثيق وكبير بتوحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.
ـ أما تعلقها بتوحيد الألوهية فإن الله سبحانه تعبّدنا بالحكم بشريعته والتحاكم إليها، ونحن عندما نحكم بشرعه ونتحاكم إليه نكون بذلك متعبدون له متقربون إليه بالحكم بشرعه والرجوع إلى حكمه، وبهذا تعلم أن الحكم بشرع الله والتحاكم إليه عبادة أُِمرنا بها؛ فكما أننا نتعبّد لله بفعل ما أمره من الصلوات والصيام والحج ونحوها فإننا كذلك نتعبّد له سبحانه بالحكم بشرعه والتحاكم إليه والخضوع والاستسلام لشرعه والانقياد لأمره لذلك نجد أن الله سبحانه قرن بين توحيد الألوهية وتوحيده في الحكم في كتابه في قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} يوسف/40.
والدين جاء شاملًا لجميع مناحي الحياة وفيه حكم كل شيء كما قال تعالى: {ما فرّطنا في الكتاب من شيء} وقال سبحانه: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} وقال: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} فانظر كيف جعل الله الإيمان به وباليوم الآخر مشروطًا برد المتنازَع فيه إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
فالذي يترك التحاكم إلى شرع الله الذي هو عين الحكمة والمصلحة والعدل ويذهب ليتحاكم إلى أحكام أخرى منسوخة أو من وضع البشر فإنّ هذا بين أمرين:
-إما أن يعتقد أن حكم الله ليس بعدل أو ليس فيه تمام المصلحة.
-وإما أن يعتقد عدله وصلاحه ولكن لا يرضى أن يتحاكم إليه.
وكلاهما كفر كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما} وكما قال تعالى: وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون*