فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأمّلتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى طاعة الطاغوت ومتابعته. اهـ [إعلام الموقعين، ج1،ص50] .
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة: الأول: الشيطان ... والثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله ... والثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله ... الرابع: الذي يدّعي علم الغيب من دون الله ... الخامس: الذي يُعبد من دون الله وهو راضٍ بالعبادة. اهـ
وقال الشيخ عبد الله أبابطين:"إن اسم الطاغوت: يشمل كل معبود من دون الله، وكل رأس في الضلال، يدعو إلى الباطل، ويحسنه؛ ويشمل أيضًا: كل من نصبه الناس للحكم بينهم بأحكام الجاهلية، المضادة لحكم الله ورسوله".
وقال الشيخ محمد حامد الفقي -رحمه الله:"ويدخل في ذلك بلا شك الحكم بالقوانين الأجنبية عن الإسلام وشرائعه من كل ما وضعه الإنسان ليحكم به في الدماء والفروج والأموال، وليبطل بها شرائع الله من إقامة الحدود، وتحريم الربا والزنا والخمر ونحو ذلك، مما أخذت هذه القوانين تحللها وتحرمها بنفوذها ومنفذيها، والقوانين نفسها طواغيت، وواضعوها ومروجوها طواغيت، وأمثالها من كل كتاب وضعه العقل البشري ليصرف عن الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إما قصدًا أو عن غير قصد من واضعه فهو طاغوت".
وإذا تأملت أقوال العلماء السابقة في بيان حقيقة الطاغوت فستعلم أن الحكام الذين استبدلوا حكم الله بغيره قد جمعوا ثلاث معان من معاني الطاغوت وهي:
الأول: الحكم بغير ما أنزل الله.
الثاني: تغيير حكم الله.
الثالث: من دعا الناس إلى عبادته من دون الله، وذلك أن الذي يحكم بغير حكم الله بدلًا عن حكم الله، هو في الحقيقة يدعو الناس إلى عبادته من دون الله؛ لأن الحكم بشرع الله عبادة، والتحاكم إلى شرعه عبادة، والخضوع لحكمه خضوع له سبحانه، فإذا نَحّى حكم الله ووضع غيره مكانه فإنه قد جعل نفسه ندًّا لله، وجعل حكمه ندًّا لحكم الله، وعندما يُلزم الناس أن يحكموا بحكمه بدلًا عن حكم الله، فإنه يأمرهم بعبادته من دون الله، وعندما يأمرهم بالرجوع إلى حكمه والتحاكم إليه والخضوع والانقياد له فإنه يأمرهم بالخضوع والانقياد له من دون الله.
إذا تبين هذا فاعلم أن الحكم بين الناس فيه صفة العلو والقهر والملك، وانقيادهم للحكم فيه معنى الذل والخضوع والاستسلام، وهذا هو معنى العبودية فإن العبادة مأخوذة من التعبد وهي التذلل والخضوع، يُقال طريق معبّد أي مذلل، وعلى هذا فلا يجوز ولا يصح أن يكون القهر العلو على الخلق إلا لله، ومِن علوه سبحانه على