بظهره وقوته تمكنت لكن تنفل عنه نفلًا , فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل السرية إذا كانوا في بدايتهم الربع بعد الخمس , وكذلك لو غنم الجيش غنيمة شاركته السرية ; لأنها في مصلحة الجيش , كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم لطلحة والزبير يوم بدر ; لأنه كان قد بعثهما في مصلحة الجيش , فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها , فيما لهم وعليهم - وهكذا المقتتلون على باطل - لا تأويل فيه , مثل المقتتلين على عصبية , ودعوى جاهلية كقيس ويمن ونحوهما , هما ظالمتان. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار , قيل: يا رسول الله: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه) أخرجاه في الصحيحين.
وتضمن كل طائفة ما أتلفته الأخرى من نفس ومال , وإن لم يعرف عين القاتل ; لأن الطائفة الواحدة المتمنع بعضها ببعض كالشخص الواحد"اهـ."
فالذي أعان أمريكا ودول الكفر على حرب الإسلام والمسلمين فإنه يكفر سواء أعانهم بالبدن أو بالسلاح أو بالرأي أو فتح لهم بلاده ليقيموا فيها قواعدهم العسكرية وينطلقوا منها، أو حمى ظهورهم بمنع المجاهدين من الخروج لقتالهم فلا فرق بين ذلك كله وهو من الموالاة المكفّرة.
ـ وأما الاستدلال بقصة حاطب رضي الله عنه، على أن من ظاهر الكفار على المسلمين لا يكفر إلا بالعمل القلبي وهو مظاهرتهم محبة في دينهم أو رضىً بالكفر، فلا يصح ولا يستقيم لأن قصة حاطب فيها احتمالات كثيرة وهي قضية عين لا يقاس عليها.
والقاعدة عند العلماء: إذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال.
وكذلك القاعدة: أن ما ثبت حكمه بالأدلة الواضحة الصريحة ثمّ وردت قضية محتملة لم تأخذ ذلك الحكم فإن الحكم الصريح لا يتغير، وتسمى القضية الواردة قضية عين لا يقاس عليها، وهي ما يعبر عنها بعض الأصوليين بقوله: ما خرج على الأصل لا يقاس عليه. مثل بيع العرايا وبيع السلم خرجا عن الأصل المقرر وهو تحريم بيع المجهول وبيع الغرر، ولكن لما جاء الشرع باستثناء هذين النوعين من البيوع وأحلهما خرجا عن ذلك الأصل بدليل مستقل ليس بناسخ لأصل الحكم، فلا يصح لمن باع نوعًا آخر من البيوع وكان فيها الجهالة أو الغرر أن يستدل على جواز فعله بهذه الأدلة المخصوصة.
ومعلوم أنّ منهج أهل السنة والجماعة هو الأخذ بالمحكم ورد المتشابه إلى المحكم، وقصة حاطب رضي الله عنه من المتشابه الذي فيه احتمالات كثيرة، فلا يُتركُ الحكم الصريح الواضح ولا يُنتقل عنه بدليل محتمل.
والمؤلف ومن على شاكلته استدلوا بقصة حاطب: على أن مظاهرة الكفار على المسلمين لا يكون كفرًا أكبر مخرجًا من الملة إلا بشرط عمل القلب وهو مناصرتهم لدينهم، وهذا باطل وتوضيحه من وجوه:
الأول/ أن قصة حاطب قضية عين، وقضايا الأعيان خارجة عن الأصل، فلا يقاس عليها.
الثاني/ أنها محتملة وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال.