الثالث/ أن من لوازم انتصار الكفار على المسلمين، انتصار دينهم على الإسلام، فمن ظاهر الكفار على المسلمين فقد ظاهر الكفر على الإسلام وناصر الكفر على الإسلام، سواء قصد ذلك أو لم يقصده، كما قال تعالى: {وكان الكافر على ربه ظهيرًا} ، فالكافر الذي يتبع الشيطان ويكفر بالرحمن هو ظهير للشيطان على ربه سواء قصد ذلك أو لم يقصده.
وما الفائدة من اشتراط محبة دين الكافرين، أو محبة انتصارهم على المسلمين إذا كان من لوازم انتصار الكفار على المسلمين انتصار دينهم على دين الإسلام؟!
وما هذا الشرط إلا لوثة إرجائية يُراد منها تعليق مناط الحكم في مسألة المظاهرة إلى عمل القلب، وإخراج مسألة المظاهرة من الكفر العملي إلى الكفر القلبي.
الرابع/ أن النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه وقد قال في شأن حاطب: (صدقكم) وهذا أمر أطلعه الله عليه، وأما بعد موته عليه الصلاة والسلام ليس لأحد أن يجزم بصدق من والى الكفار، وبالتالي علينا أن نأخذ بالظاهر ونحكم به.
قال الحافظ بن حجر رحمه الله: وقد أشار إلى ذلك الإمام أبو جعفر الطبري: بأنه إنما صفح عنه لما أطلعه الله عليه من صدقه في اعتذاره، فلا يكون غيره كذلك.
الخامس/ قول عمر في هذا الحديث: دعني أضرب هذا المنافق، وفي رواية: فقد كفر، وفي رواية: بعد أن قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أوليس قد شهد بدرًا؟. قال عمر: بلى ولكنه نكث وظاهر أعداءك عليك.
فهذا يدل على أن المتقرر عند عمر رضي الله عنه والصحابة أن مظاهرة الكفار وإعانتهم على المسلمين كفر وردة، ولم يقل هذا الكلام إلا لما رأى أمرًا ظاهره الكفر، ولو لم يكن المتقرر عند الصحابة كفر المظاهر لما احتاج حاطب أن ينفيه عن نفسه، كما لو شرب الخمر فسئل عن سبب شربها فإنه لا يقول لم أفعله كفرًا ولا ردّةً، فلما نفى الكفر والردّة عن نفسه تبين أنّ المقرر عنده كفر وردّة من ظاهر الكفار على المسلمين، ولكنه ظنّ أن فعله ليس داخلًا في باب الموالاة والمظاهرة كما سيأتي توضيحه في الوجه السابع.
السادس/ إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لما فهمه عمر رضي الله عنه، ولم ينكر عليه الحكم بالكفر على ظاهر الفعل، ولم يقل له إنّ مظاهرة الكفار على المسلمين ليست كفرًا، أو أنّ المظاهرة المكفّرة هي ما قارنها عمل القلب، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وإنما بين النبي صلى الله عليه وسلم صدق حاطب فيما قال.
وفرقٌ بين الحكم على الفعل والحكم على الفاعل فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمر الحكم على أصل الفعل وإنما أنكر عليه إنزال الحكم على حاطب، وقد تبين أنه فعل ذلك متأولًا أن لا ضرر فيه، وتصديق النبي صلى الله عليه وسلم له فيما قال لا يكون لأحدٍ بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه مؤيد بالوحي وليس ذلك لغيره.