وقد سبق أن بينتُ أننا مأمورون أن نأخذ الناس ونحكم عليهم بظواهرهم ونكلَ سرائرهم إلى الله، وذكرتُ ما رواه البخاري رحمه الله عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم.
ومضت سيرة الصحابة رضي الله عنهم على ذلك في حروب الردة مع قوم مسيلمة وسجاح وطليحة، ومانعي الزكاة ونحوهم في قتالهم كلهم دون تفريق بينهم مع احتمال كون بعضهم مخالفًا لهم في معتقدهم وإنما شاركهم حميّة، ومع ذلك كانت سيرتهم فيهم واحدة، وهي قتالهم جميعًا وأخذ أموالهم وذراريهم والحكم عليهم بالكفر، مما يدل على تقرّر هذا الأصل عندهم، وأن من ظاهر وناصر الكفّار فهو كافر مثلهم.
ومن ذلك أيضًا قصة خالد بن الوليد ومجاعة بن مرارة في كتب السيرة في حروب الردة، فإن خالدًا رضي الله عنه أخذ جندُهُ بعضَ بني حنيفة ومعهم (مجاعة) ، فقال مجاعة لخالد: إني والله ما اتبعته - يقصد مسيلمة - وإني لمسلم. فقال له خالد: فهلا خرجت إليّ، أو تكلمت بمثل ما تكلم به ثمامة بن أثال.
والقياس أيضًا يدل على أن المعاونة والمظاهرة كفر أكبر من وجهين:
الوجه الأول/ أنه قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من جهز غازيًا فقد غزى) ، فجعل القاعد إذا جهّز المجاهد مشاركًا في الغزو، ومن هذا أيضًا قوله (إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعه الخير، والرامي به، ومنبله) . وهذا يدل - بقياس العكس - أن من جهّز وأعان الكافر في قتاله فقد شاركه في قتاله في سبيل الطاغوت، قال تعلى: {الذين ءامنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا} .
ومن قاتل في سبيل الطاغوت فقد نصر الطاغوت وسعى في إعلاء كلمة الطاغوت وحُكمِ الطاغوت ودين الطاغوت وهو من أولياء الشيطان وأنصاره، وصدق الله: {وكان الكافر على ربه ظهيرا} .
الوجه الثاني/أن الردء والمباشر حكمهم واحد في الشرع على الصحيح، لأن المباشر إنما يتمكن من عمله بمعونة الردء له.
كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة , فالواحد منهم باشر القتل بنفسه , والباقون له أعوان وردء له , فقد قيل: إنه يقتل المباشر فقط , والجمهور على أن الجميع يقتلون , ولو كانوا مائة وأن الردء والمباشر سواء , وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين. فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين - والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال , ينظر منه لهم من يجيء ولأن المباشر إنما يمكن من قتله بقوة الردء ومعونته - والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ويرد متسريهم على قاعدتهم) . يعني: أن جيش المسلمين إذا تسرت منه سرية فغنمت مالًا , فإن الجيش يشاركها فيما غنمت لأنها