الثاني: قوله (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما) ... وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.
وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئًا من أوامر الله أو أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإسلام، سواء من جهة الشاك، أو من جهة التمرد، وذلك يوجب صحة ما ذهب الصحابة إليه من الحكم بارتداد مانع الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم""
وقال الحاكم النيسابوري رحمه الله: وتدل الآية على أن من لم يرض بحكمه كفر، وما ورد من فعل عمر وقتله المنافق يدل على أن دمه هدر لا دية فيه ولا قصاص.
وهنا فرع: وهو أن يُقال: إذا تحاكم رجلان في أمر فرضي أحدهما بحكم المسلمين وأبى الثاني وطلب المحاكمة إلى حكم الملاحدة فإنه يكفر لأن في ذلك رضىً بشعائر الكفرة. اهـ. [انظر محاسن التأويل 2/ 368] .
أيها المؤلف: هل في هذه الأقوال من العلماء الراسخين من قال بالقيد الذي ذكرته في تقسيم الإرادة؟
وبعد هذا نقول: إذا كان الله سبحانه بيّن أن أراد وعزم أن يتحاكم إلى الطاغوت أنّ إيمانه مجرد زعم كاذب، فكيف بمن تحاكم إلى الطاغوت حقيقة، وكيف بمن يحكم بحكم الطاغوت، ويلزم الناس به؟؟
بل كيف بالطاغوت الذي يُشرّع الأحكام ويُقنن القوانين المخالفة والمضادّة لحكم الله؟
لا شكّ أنّ هؤلاء أحق وأولى بالكفر وانتفاء الإيمان.
أظنّ أن هذا يكفي في الرد على هذه الشبهة لمن تبصر المسألة وعقلها، فإن المؤلف زعم في بداية رده على هذه الشبهة أنه لو ثبت دليل واحد من حيث الثبوت والدلالة على كفر الحاكم بالقوانين الوضعية أنه يصير إليه وأظن أنني في هذا الرد ذكرت أدلة كثيرة وكلامًا لأهل العلم يوضح المسألة وحكمها، وهي كافية بأذن الله لمن تجرّد للحق.
وبهذا تعلم أن الحكام الذين يحكمون المسلمين بتلك القوانين الوضعية كفار لا تصح ولايتهم ولا يجوز للمسلمين تركهم على كراسي الحكم، ويجب عليهم إزالتهم فإن عجزوا أعدوا العدة لذلك.
والحاكم السعودي داخل في هذا الحكم لأنه وقع في الحكم بغير ما أنزل الله من الجهتين:
الأولى/ التشريع مع الله، كما في الإذن في الربا وتقنين القوانين المخالفة للشريعة في التعامل به، والقوانين التي شرّعوها في المحاكم التجارية والعُمّالية، والقوانين الوضعية التي وضعوها في المحاكم العسكرية، وإحالة الحكم في الكفر والزندقة التي في الصحف والقنوات إلى وزارة الثقافة والإعلام لا إلى شريعة الملك العلام.
الثانية/ الحكم بالقوانين الوضعية المأخوذة من الدول الكافرة كما في المحاكم العسكرية والمحاكم التجارية ومحاكم العمل والعُمّال وغيرها، فالأحكام التي فيها منها ما هو من وضع الطواغيت، ومنها ما هو مأخوذ عن الكفار.
والفرق بين القسمين:
ـ أنهم في الأولى نصبوا أنفسهم مشرعين مع الله وجعلوا من أنفسهم ندًّا لله في التشريع.