التحاكم إليه، فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله، وقوله تعالى: {ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدا} ؛ لأن إرادة التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من طاعة الشيطان وهو إنما يدعوا أحزابه ليكونوا من أصحاب السعير، وفي الآية دليل على أن ترك التحاكم إلى الطاغوت-وهو ما سوى الكتاب والسنة- من الفرائض، وأن المتحاكم إليه ليس بمؤمن بل ولا مسلم. اهـ
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك} أن: (الرد إلى الكتاب والسنة شرط في الإيمان، فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائلَ النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت ... فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه، في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن، واختار حكم الطاغوت على حكم الله فهو كاذب في ذلك) .اهـ
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: إن قوله - تعالى - (يَزْعُمُونَ) تكذيب لهم فيما ادّعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الإيمان في قلب عبد أصلًا، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه. اهـ
وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كفر فقد ذكر الله في كتابه أن الكفر أكبر من القتل قال تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} وقال: {والفتنة أشد من القتل} ، والفتنة هي الكفر، فلو اقتتلت البادية والحاضرة حتى يذهبوا لكان أهون من أن يُنصبوا في الأرض طاغوتًا يحكم بخلاف شريعة الإسلام التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: إذا كان هذا التحاكم كفرًا والنزاع إنما يكون لأجل الدنيا، فكيف يجوز لك أن تكفر لأجل ذلك؟ .. فلو ذهبت دنياك كلها لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها، ولو اضطرك مضطر وخيّرك بين أن تحاكم إلى الطاغوت أو تبذل دنياك لوجب عليك البذل ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت. [الدرر السنية10/ 510]
ويقول محمد رشيد رضا عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ .. } الآية: -"والآية ناطقة بأن من صد وأعرض عن حكم الله ورسوله عمدًا ولا سيما بعد دعوته إليه وتذكيره به، فإنه يكون منافقًا لا يعتد بما يزعمه من الإيمان، وما يدعيه من الإسلام."
وقال الكتاني:"قال الرازي: المقصود أن بعض الناس أراد أن يتحاكم إلى بعض أهل الطغيان، ولم يرد التحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، قال القاضي: ويجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر، وعدم الرضى بحكم محمد عليه السلام كفر، ويدل عليه وجوه:"
الأول: أنه تعالى قال (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به) فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانًا به، ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفر بالله، كما أن الكفر بالطاغوت إيمان بالله.