بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين، وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر، ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم، وأن عاقبته أحسن عاقبة. [أعلام الموقعين 1/ 49، 50] .
وقال ابن كثير رحمه الله:"فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله، وشهد له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى:- {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم، فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر. [تفسير ابن كثير 3/ 209] ."
وقال الإمام الشنقيطي: ومن أصرح الأدلة في هذا أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله، يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب، وذلك في قوله تعالى: - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ... } الآية. [أضواء البيان 4/ 83]
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة: الأول: الشيطان ... والثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله ... والثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله ... الرابع: الذي يدّعي علم الغيب من دون الله ... الخامس: الذي يُعبد من دون الله وهو راضٍ بالعبادة. اهـ
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله تعالى: « ... فمن خالف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو طلب ذلك اتباعًا لما يهواه ويريده فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه وإن زعم أنه مؤمن، فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك، وأكذبهم في زعمهم الإيمان لما في ضمن قوله {يزعمون} من نفي إيمانهم، فإنّ {يزعمون} إنما يقال غالبًا لمن ادّعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لِمُوجبها وعمله بما يُنافيها، يحقّق هذا قوله تعالى {وقد أمروا أن يكفروا به} لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد، كما في آية البقرة، فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدًا، والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسُد بعدَمِه، كما أنّ ذلك بيِّنٌ في قوله تعالى {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} [البقرة: 256] وذلك أن التَّحاكم إلى الطاغوت إيمانٌ به» .اهـ [فتح المجيد، ج1،ص379] .
وقال الشيخ العلامة سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله في كتابه (تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد) عند كلامه على قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنهزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} ،قال: فإن من عرف أن لا إله إلا الله فلابد من الانقياد لحكم الله والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن شهد ألا إله إلا الله ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النزاع فقد كذب في شهادته .. - إلى أن قال- وقوله تعالى: {وقد أمروا أن يكفروا به} أي: بالطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مناف للإيمان مضاد له، فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به وترك