فإن قال: إنه منفي عمن لم يكفر بالطاغوت.
فنقول: فلا حاجة إذًا إلى مسألة التحاكم لأنه لو لم يكفر بالطاغوت فهو كافر حتى لو تحاكم إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وإن كان منفيًا عمن أراد التحاكم إلى الطاغوت فذلك دليل على أنّ الإيمان الذي انتفى كان بسبب إرادة التحاكم إلى الطاغوت وأنّ التحاكم إلى الطاغوت في حدّ ذاته منافٍ للإيمان.
وإذا كان الله سبحانه نفى الإيمان عمن أراد وعزم على التحاكم إلى الطاغوت فإنّ في ذلك تنبيهًا بالأدنى على الأعلى وهو كفر من تحاكم حقيقة إلى الطاغوت.
ثمّ نقول للمؤلف: إن أراد التحاكم إلى الطاغوت إرادة مطلقة لا يكفر عندك، ولكن إن أراد إرادة منافية للكفر بالطاغوت يكفر، والآية وما بعدها تردّ عليك حيث إنّ القرآن يفسّر بعضه بعضًا قال الله تعالى بعد ذلك بآيات: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم .... } الآية.
فالآية ذكرت التحاكم ولم تذكر الإرادة وبهذا تعلم صحّة ما ذكرته لك من أنّ الآية ذكرت الإرادة من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فإذا كانت الإرادة الجازمة على التحاكم إلى الطاغوت منافية للإيمان فمن باب أولى التحاكم حقيقة إلى الطاغوت.
قال أبو السعود رحمه الله حول هذه الآية: التعجيب والاستقباح على ذِكر إرادة التحاكم إلى الطاغوت دون نفسه [أي التحاكم] للتنبيه على أن إرادته مما يُقضى منه العجب ولا ينبغي أن يدخل تحت الوقوع فما ظنك بنفسه؟!.اهـ
ثمّ إنّ الآية صريحة في أنّ من أراد التحاكم إلى الطاغوت أنه بذلك لم يكفر بالطاغوت لأنّ التحاكم إليه منافٍ للكفر به، فمن أين لك تقسيم الإرادة وما هو دليلك؟
وهل من يريد التحاكم إلى الطاغوت ينقسمون عندك إلى قسمين:
ـ قسم كافر بالطاغوت.
ـ وقسم لم يكفر بالطاغوت؟
فإن كان كذلك فما هو دليلك على هذا التقسيم؟
وهل من يتحاكم إلى الطاغوت ويُعرض عن حكم الله مختارًا من الممكن أن يكون مؤمنًا بالله كافرًا بالطاغوت؟
وما هي الصورة التي يكون فيها المتحاكم إلى الطاغوت مؤمنًا بالله كافرًا بالطاغوت؟ وما هو الدليل على ذلك؟ ومن هم سلفك من العلماء فيما زعمت؟
قال ابن القيم رحمه الله: ومن حاكم خصمه إلى غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد حاكم إلى الطاغوت، وقد أُمِر أن يكفر به، ولا يكفر العبد بالطاغوت حتى يجعل الحكم لله وحده. [طريق الهجرتين ص73] .