وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحاكم إلى الطاغوت من صور النفاق الأصغر ويجعل ذلك من جنس الكذب وخلف الوعد، هذا والله هو صنيع أهل البدع الذين يلوون أعناق النصوص، بل هو من صنيع اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، نعوذ بالله من الهوى والعمى.
قال ابن القيم رحمه الله: ثم أخبر تعالى عن حال هؤلاء المتحاكمين إلى غير ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتَ المنافقين يصدون عنك صدودا} ،فجعل الإعراض عما جاء به الرسول والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور والتسليم لما حكم به رضىً واختيارًا ومحبةً، فهذا حقيقة الإيمان وذلك الإعراض حقيقة النفاق. [مختصر الصواعق المرسلة 2/ 515] .
وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في عمدة التفسير: ثم يرينا الله سبحانه وتعالى حكمه في الذين يزعمون أنهم يؤمنون برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل إليه، ثم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، فيحكم سبحانه بأنهم منافقون؛ لأنهم إذا دُعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدوا عنه صدودا، والنفاق أشد أنواع الكفر. [عمدة التفسير3/ 213]
أما قول المؤلف: [أن هؤلاء يريدون الحكم بالطاغوت وليست إرادتهم هذه إرادةً مطلقةً بل هي إرادةٌ تنافي الكفر به الكفر الاعتقادي، ومن لم يعتقد وجوب الكفر بالطاغوت فلا شك في كفره الكفر الأكبر قال تعالى {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} ]
هذا قول باطل: فأين في الآية أن الإرادة إرادة مقيدة منافية للكفر بالطاغوت؟
والمؤلف إنما يأتي بشروط ما أنزل الله بها من سلطان بسبب تأثره الشديد بمذهب المرجئة فإنّ اشتراط مثل هذه الشروط التي لا يدل عليها الكتاب ولا السنة ولا أقوال أئمة السلف إنما هو من مذهب المرجئة الضلال، والله سبحانه رتّب الحكم في الآية على إرادة التحاكم ومعلوم أنّ القاعدة عند العلماء: أنّ الأصل الأخذ بالظاهر ما لم يرد دليل يصرف عن الأخذ بالظاهر.
وهنا نقول للمؤلف: أين الدليل على القيد الذي ذكرته؟ ودون ذلك خرط القتاد، وإنما هو الهوى والبدعة.
كذلك القاعدة عند العلماء: أن الأصل عدم الإضمار. فأين الدليل على أنّ المقصود من الآية الإرادة المنافية للكفر بالطاغوت؟
ثمّ إنه لو لم يعتقد وجوب الكفر بالطاغوت فإنه يكفر وهو جالس في بيته ولو لم يتحاكم إلى الطاغوت.
فالكفر بالطاغوت ركن من أركان التوحيد، ومن لم يكفر بالطاغوت فليس بمؤمن وليس بموحد، وحينئذٍ نقول للمؤلف: الإيمان المنفي في الآية هل هو منفي عمن لم يكفر بالطاغوت أم عمن أراد التحاكم إلى الطاغوت كما هو صريح الآية؟