ولهذا كان من القواعد المقررة عند السلف زيادة الاعتناء بأمر الولاية وحقوقها كلما ازدادت الحاجة إليه، ردًّا على أهل الأهواء، وتفنيدًا لشبهاتهم، وسدًّا لأبواب الفتن، وإيصادًا لمنافذ الخروج على الولاة الذي هو أكبر سبب وأعظم موجب للفشل وذهاب الريح ونقص أو ذهاب الدين والدنيا.
المطلب الخامس:
أمانة الولاية وشرف غايتها وخطر تضييعها
إن للإمامة الكبرى في الإسلام شأنًا عظيمًا ومقامًا عليًّا رفيعًا، فهي أعظم المناصب في المجتمع، وأعلاها قدرًا، وأعظمها مسئولية وخطرًا، فلقد أعطى الله تبارك وتعالى الأئمة والسلاطين سلطانًا على الرعية، ومكنهم من الولاية، ووكَّل إليهم أمور الدين ومصالح الأمة، وأوجب عليهم القيام بمصالح العباد الدينية والدنيوية وحمَّلهم الأمانة، فهم راعون ومسئولون ومؤتمنون على الدين والرعية، والله تعالى سائلهم عن رعيتهم وأماناتهم، قال - صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع ومسئول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسئول عن رعيته ... » [1] .
-فمن أخذ الإمامة أو الولاية بحقها وأدى حقوق الله تعالى وحقوق عباده فيها؛ كان ذلك من أسباب طيب حياته وسعادته، ونصره وتمكينه، ومن موجبات فلاحه، وعلو مقامه عند ربه في آخرته وعظم أرباحه.
-ومن فرط في مسئوليتها، وضيع أمانتها، وبغى وظلم وطغى واستكبر واستعلى على الحق والخلق كانت من أسباب نكد حياته ونَغَص معيشته في الدنيا، وحسرته وخسرانه وشدة عذابه وطول ندامته بعد وفاته.
قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل:97] .
(1) جزء من حديث أخرجه البخاري برقم (2278) ، ومسلم برقم (1829) ، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.