جـ ــ أن قولنا لها بالعودة مرة أخرى فيه إيجاب سفرين كاملين على الإنسان للحج من غير تفريط منه ولا عدوان، وهذا خلاف الأصول فإن الله لم يوجب على الناس الحج إلا مرة واحدة، وإذا أوجب القضاء على المفسد فذلك بسبب جنايته على إحرامه، وإذا أوجبه على من فاته الحج فذلك بسبب تفريطه، بخلاف الحائض فإنها لم تفرط؛ ولهذا أسقط النبي صلى الله عليه وسلم عنها طواف الوداع وطواف القدوم.
6ـ أن عليها أن تتحلل كما يتحلل المحصر، فإن الحائض منعها خوف المقام من إتمام الغسل فهي كمن منعها عدو عن الطواف بالبيت.
وهذا القول ضعيف؛ فإن الإحصار أمر عارض للحاج يمنعه من الوصول إلى البيت في وقت الحج، والحائض متمكنة من البيت ومن الحج من غير عدو ولا مرض ولا ذهاب نفقة، وإذا جعلت هذه كالمحصر أوجبنا عليها الحج مرة ثانية مع خوف وقوع الحيض منها، والعذر الموجب للتحلل بالإحصار إذا كان قائمًا به منع من فرض عليها ابتداءً؛ كتعذر النفقة وإحاطة العدو بالبيت، وهذه عذرها لا يسقط عنها فرض الحج ابتداءً فلا يكون عروضه موجبًا للتحلل كالإحصار.
إذًا فكل الأقوال السابقة مردودة، ويبقى القول بأن الحائض إذا لم تستطع الطواف بالبيت إلا وهي حائض وأصبح ذلك ضرورة فإنه يصح منها ولا شيء عليها.
فإن قيل: كيف تدخل المسجد وهي ممنوعة من دخوله؟ أجيب بأن الضرورة تبيح دخول المسجد للحائض والجنب، فإنها لو خافت العدو، أو من يستكرهها على الفاحشة أو أخذ مالها ولم تجد ملجأ إلا الدخول في المسجد جاز لها الدخول مع الحيض وهذه تخاف ما هو قريب من ذلك فإنها تخاف إن أقامت بمكة وليس معها محرم أن يؤخذ مالها، وقد تخاف إن أقامت في مكة ممن يتعرض لها وليس لها من يدافع عنها [1] (
(1) فتاوى ابن تيمية 26/225ـ 230، إعلام الموقعين 3/14ـ 19.
(*) ويمكن أن تعالج الحائض الموضوع باستعمال ما يوقف الدم فتغتسل وتطوف كغيرها من الطاهرات، وهذا علاج ممكن وميسر إن شاء الله عند الحاجة إليه.
**) مهما قيل ، فحديث الرسول صلى الله عليه وسلم مقدم: (لا تطوفي في البيت حتى تطهري) [ ومن يتق الله يجعل له مخرجًا] .