معرفة نبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم - [1] :
(1) فائدة: معنى شهادة أن محمدًا رسول الله: الإخبار القاطع عن اعتقاد قلب الشاهد المقتضي للعمل أن محمدًا بن عبد الله الهاشمي القرشي رسول الله تعالى إلى جميع الثقلين يدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى بما شرع بواسطته من طريق وحيه إليه، وتقتضي هذه الشهادة من الشاهد أمورًا عدة:
الأول: تصديقه فيما أخبر فإن الرسول لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
الثاني: طاعته فيما أمر فإنه لا يأمر إلا بطاعة الله تعالى قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلَاغُ المُبِينُ} الآية.
وقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
الثالث: اجتناب ما نهى عن وزجر فإنه يبلغ عن الله دينه فما نهى عنه فهو معصية لله تعالى، قال تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ} الآية.
الرابع: أن لا يعبد الله إلا بما شرع فإن الله تعالى نسخ بشرعه الأديان السابقة، قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} .
الخامس: اعتقاد أنه ليس له شيء من خصائص الربوبية فلا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه ولا لغيره ضرًا ولا رشدًا ولن يجبره من الله أحد وليس له شيء من تدبير الملك وتصريف الكون، وبذلك يعلم أنه ليس له - صلى الله عليه وسلم - من خصائص الإلهية شيء، فليس له حق في العبادة فلا يدعى مع الله تعالى ولا يستغاث به ولا تشكى الشدائد إليه ولا يذبح له لطلب شفاعة ولا غيرها ولا ينذر له لأن ذلك حق خالص لله وحده، وأما هو - صلى الله عليه وسلم - فإنه عبد لا يعبد ورسول لا يكذب.
السادس: من تحقيق شهادة أن محمد رسول الله تصديقه فيما أخبر، فإنه لا يقول على الله وفي دين الله إلا الحق قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ، وقال سبحانه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} ، وقال - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو بن العاص: «أكتب - يعني: الحديث - فوالله ما يخرج منه - وأشار إلى فيه - إلا الحق» .
وعصمت الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما يبلغون من الدين من مسائل الإجماع التي أجمع عليها المسلمون، والقول بخلافة قدح في منصب النبوة والرسالة وقدح في سند الشريعة والسنة. وهكذا ما يبلغونه من أمر الدنيا جازمين.
السابع: شهد الله على صدق نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا} ، وبفعله حيث أيد رسوله والمؤمنين بالآيات البينات وألوان البراهين القاطعات وتمكينهم من رقاب أعدائهم وجعل الدائرة لهم على عدوهم وبإقراره له على ما يقوله ويفعله مما ينسب إلى ربه، فلو كان كاذبًا عليه - وحاشاه - لعاجله بالعقوبة، كما قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} ، ومن أسمائه سبحانه وتعالى الشهيد، أي: المطلع الذي لا يغيب عنه شيء؛ بل هو مطلع على كل شيء عالم بتفاصيله، ومن ذلك أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - ودعوته وأحوال من استجاب له ومن عارضه وعاداه.
الثامن: خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - هي: ما فضله الله تعالى به على غيره من المرسلين والنبيين عليهم من ربهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وهي كثيرة أفردها بالتصنيف جماعة من أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ فمن تلك الخصائص:
أ ... ختم النبوة والرسالة به - صلى الله عليه وسلم - فلا يبعث نبي بعده يبدل دينه أو ينسخ شريعته قال تعالى: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} ، وفي الحديث الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «وختم بي النبيون» ، وإذا ختمت النبوة فقد ختمت الرسالة لأن النبوة أول الرسالة وأصلها، وقد أجمعت الأمة على هذه العقيدة - عقيدة ختم النبوة - به - صلى الله عليه وسلم -، وأجمعت على تكفير مدعي النبوة بعده من أمته، ووجوب قتل من يدعيها - إن أصر على ذلك -، وعلى كفر من صدقه و على قتله إن لم يرجع عن تصديقه، كما قاتل الصحابة رضي الله عنهم مسيلمة الكذاب وأتباعه حتى قتل مسيلمة وقتل من لم يكفر بنبوته ويكذبه، ويحدد إيمانه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ولا يشكل على هذا ما تواترت به النصوص من نزول المسيح بن مريم - عليه السلام - في آخر الزمان، فإنه - عليه السلام - لا يأتي بدين وشرع جديد وإنما ينزل خليفة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في أمته يحكمهم بشريعة الإسلام ويهلك الله في زمانه الملل المنسوخة والأديان الباطلة.
ب ... أن الله تعالى أيده بالقرآن العظيم الذي هو أعظم آيات الأنبياء والمرسلين على الإطلاق، وهو الكتاب المحفوظ من التبديل أو التغيير أو النسخ إلى أن يرفع في آخر الزمان وهو أبلغ لآيات وأنفعها، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ، وقال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا القُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله أمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» .
ت ... عموم رسالته - صلى الله عليه وسلم - لكافة الثقلين الجن والأنس من حين بعثه الله وإلى أن تقوم الساعة، فقد كان الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله يبعثون إلى أقوامهم خاصة أما هو - صلى الله عليه وسلم - فبعث إلى الناس كافة إلى يوم القيامة، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} ، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} ، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ، وقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ، وقال تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} ، أي: المخاطبين وكل من بلغه القرآن من اللاحقين إلى يوم الدين، وفي الصحيح أيضًا عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «فضلت على الأنبياء بست ... » الحديث، وفيه: «وأرسلت إلى الناس كافة» ، وفي الصحيح أيضًا عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني، ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» .
ث ... أن أمته المستجيبة له خير أمة أخرجت للناس فهم خير الأمم قال تعالى: ... {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ} الآية، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} . وثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - قوله: «أنتم توفون يوم القيامة سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل» .
ج ... أنه - صلى الله عليه وسلم - سيد ولد آدم عليه السلام يوم القيامة، فهو خيرهم وأشرفهم وأحبهم إلى الله تعالى، وكل المرسلين والنبيين خير وشريف وحبيب عند الله عز وجل، لكنه - صلى الله عليه وسلم - مقدمهم وأكرمهم على الله عز وجل، فإن الأنبياء والمرسلين هم سادات الناس وأشرافهم وخيارهم، قال تعالى: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} ، وقال تعالى: {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} .
وقد جمع الله تعالى أرواح النبيين والمرسلين في مثال أجسادهم فصلى بهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إمامًا في مسجد بيت المقدس ليلة الإسراء والمعراج، وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع» .
ح ... أنه - صلى الله عليه وسلم - صاحب الشفاعة العظمى لأهل الموقف يوم القيامة ليقضى بينهم حيث يتدافعها أولوا العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام كل يعتذر عنها ويحيل الناس إلى الذي بعده حتى تنتهي إلى رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم -، فيقوم عليه الصلاة والسلام فيقول: «أنا لها» فيشفع ويشفعه الله، ويأتي سبحانه على ما يليق بجلاله لفصل القضاء بين عباده وهي المقام المحمود أو من المقام المحمود الذي يبعثه الله إياه يوم القيامة كما فسر المقام المحمود بذلك عدد من الصحابة والتابعين رضي الله عن الجميع.
خ ... أنه صاحب لواء الحمد وهو لواء حقيقي يختص - صلى الله عليه وسلم - بحمله يوم القيامة ويكون الناس تبعًا له يوم القيامة، وإنما يختص به لأنه يحمد الله تعالى بمحامد لم يحمده بها غيره يعلمه الله إياها، كما في المسند وسنن الترمذي عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من بني أدم ما سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من ينشق عن الأرض ولا فخر» .
د ... أنه - صلى الله عليه وسلم - الذي يستفتح باب الجنة فيفتح له لا يفتح لأحد قبله وأول من يدخل الجنة.
ذ ... أنه - صلى الله عليه وسلم - أوفر الناس حظًا من الشفاعة لأهل الكبائر من أمته.
ر ... أن أمته - صلى الله عليه وسلم - خير الأمم يوم القيامة، فهم أكثر أهل الجنة إذ يبلغون شطر أهل الجنة أو يزيدون، قال - صلى الله عليه وسلم: «أنتم توفون سبعين أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل» ، رواه الإمام أحمد، وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» .
ز ... أنه - صلى الله عليه وسلم - صاحب الوسيلة وهي منزلة في الجنة لا تكون إلا لعبد واحد من عباد الله، قال - صلى الله عليه وسلم: «أرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة» .
س ... ما خص الله تعالى به شريعته من تيسير الأحكام، ورفع الآصار والأغلال، وتوسيع الحلال وتضييق الحرام، ويسر العبادات والكفارات ومضاعفة الحسنات وتكثير أسباب محو الخطيئات ورفعة الدرجات، وإعطاء الأجور العظيمة على أعمال يسيرة.
التاسع: من حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته:
1 -... الإيمان المفصل بنبوته ورسالته واعتقاد نسخ رسالته لجميع الرسالات السابقة ومن مقتضى هذا الإيمان: تصديقه - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، والدليل قوله تعالى: {فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} الآية، وقال تعالى: {مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ} ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» الحديث، وفي الحديث الآخر قال - صلى الله عليه وسلم: «حتى يؤمنوا بي وبما جئت به» .
2 -... الاعتقاد بأنه - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وأنه لا خير إلا دل الأمة عليه، وكان - صلى الله عليه وسلم - قدوتها وإمامها في المسارعة إليه، ولا شر إلا حذرها منه، وكان - صلى الله عليه وسلم - قدوتها في الحذر منه والابتعاد عنه؛ فلم يتوفاه الله حتى بلغ كل ما أنزل إليه من ربه وأقام الدين كله، وأقام الله به الحجة الرسالية على البرية، قال تعالى: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا} ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء نقية ليلها ونهارها سواء» ، وقد شهد له أصحابه رضي الله عنهم بالبلاغ في أكبر مجمع لهم في حجة الوداع قالوا: «نشهد إنك قد بلغت وأديت ونصحت» ، وقال أبو ذر رضي الله عنه: «لقد تركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يحرك جناحيه في الهواء إلا ذكر لنا منه علما» الحديث.
وقالت اليهود للصحابة رضي الله عنهم: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، يعنون: آداب قضاء الحاجة، فقال سلمان رضي الله عنه: أجل - يعني: الأمر كذلك -
3 -... محبته - صلى الله عليه وسلم - وتقديمها على النفس والولد والوالد وسائر الخلق، والمحبة وإن كانت واجبة لجميع الأنبياء والمرسلين وأتباعهم المؤمنين والمسلمين إلا أنه لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - مزيد اختصاص فيها، فإن الله تعالى قد قرن محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمحبته وتهدد من كانت قرابته وزوجه وماله وتجارته أحب إليه من الله ورسوله، ونفى كمال الإيمان عن من لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحب إليه من سائر الخلق.
4 -... الإقرار بما ثبت في حقه - صلى الله عليه وسلم - من الفضائل العظيمة والخصائص السامية من ختم النبوة وعموم الرسالة والشفاعة العظمى والمقام المحمود وأنه الذي يستفتح باب الجنة فيفتح له ويدخلها لا يدخلها أحد قبله وأن له - صلى الله عليه وسلم - أعلى منزلة في الجنة.
5 -... تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره وتعزيزه وإجلاله وتوفير تعظيمه من غير غلو فيه وإطراء له فإن معرفة قدره وإنزاله منزلته فإن ذلك من أعظم حقوقه - صلى الله عليه وسلم - على الأمة في حياته وبعد وفاته وذلك عند ذكر اسمه - صلى الله عليه وسلم - وحديثه وسنته وسماع سيرته وكثرة الصلاة والسلام عليه وحسن الثناء عليه والحب العظيم له والأدب الجم معه وحسن الذكر له ولأهل بيته - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه وأصحابه رضي الله عنهم وحسن معاملة من صح نسبه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مع التوحيد والاستقامة على الشريعة ولزوم السنة ومولاتهم ونصرتهم جميعًا.
6 -... إتباع سنته وإظهارها السعي في نشرها، والبعد والحذر من مخالفته، وحسن خلافته في أمته بتبليغ رسالته، وبيان شريعته لأمته.
7 -... تجنب الغلو فيه - صلى الله عليه وسلم - وهو مجاوزة الشرع في مدحه وتعظيمه وإطراءه -، فإن ذلك من أعظم الأذية له - صلى الله عليه وسلم - ومن أخطر البدع التي توقع أهلها في الشرك، فإنه - صلى الله عليه وسلم - بشر كسائر البشر إلا أن الله تعالى شرفه بالنبوة والرسالة، فليس له - صلى الله عليه وسلم - من خصائص الإلهية وصفات الربوبية شيء، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} الآية، وقال - صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني - أي: لا تجاوزوا الشرع في مدحي وتعظيمي - كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» ، والنصوص عن النهي عن الغلو فيه كثيرة.