وقد نقل مؤرخون ومفسرون آخرون هذه الرواية بنفس الصيغة ولكنها خلت من الإشارة إلى كونه في صورة رجل «1» وخلت رواية البخاري من الإشارة إلى أنه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان نائما.
ج - تمثل الملك للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في النوم:
وذلك بأن يأتيه الملك جبريل عليه السلام في النوم في صورة بشرية غير معروفة لديه كما يبدو من الروايات، وتكاد الحالة الأولى من هذه الرؤية تكون أشهر صورها إذ كانت أول صورة لمواجهة الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم مع جبريل وهي التي نزلت فيها آية اقرأ،
يقول الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم وهو يصف حاله تلك فيما رواه ابن هشام: « ... فجاءني جبريل عليه السلام وأنا نائم في نمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ. قال صلّى اللَّه عليه وسلّم «قلت ما أقرأ. قال: فغتّني [عصرني] به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: اقرأ (كرر الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم ذلك ثلاث مرات) ثم قال صلّى اللَّه عليه وسلّم: ثم أرسلني فقال: اقرأ: فقلت: ما ذا أقرأ، ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي فقال: اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ .. الآيات قال صلّى اللَّه عليه وسلّم: ثم انتهى فانصرف عني وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا» «2» .
ورغم ما للباحث على هذه الرواية وأمثالها من ملاحظات تتعلق بما نسب إليه صلّى اللَّه عليه وسلّم من
قوله (فغتّني حتى ظننت أنه الموت)
أي أن جبريل عصر النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم حتى أنه ظن ذلك هو الموت.
فالسؤال هو لما ذا كل هذه الشدة الرهيبة؟ وهل أن نزول جبريل عليه صلّى اللَّه عليه وسلّم وإخباره باسمى ما يهفو إليه بشر يدعو إلى هذا التعذيب، ونحن نعلم أنه تعالى إذا اتخذ عبدا رسولا من بين الناس فإن من أهم ما يصاحب الوحي إليه من علائم تدل على أن ذلك من اللَّه هو السكينة والوقار كما في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام «3» .
والحق أن مثل هذه الأخبار التي تضخّم ما يبدو على الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم مما اصطلح
(1) انظر صحيح البخاري (1/ 7) ، والبيهقي: دلائل النبوة (1/ 396) ، والطبرسي: مجمع البيان (10/ 384) وغيرها.
(2) سيرة ابن هشام (1/ 252 - 253) .
(3) انظر الطباطبائي: الميزان (18/ 80) .