بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) فالاعتقاد بمعية الله للمؤمنين يؤثر إيجاباُ على المؤمنين ما هتفت ألسنتهم بـ (الله أكبر) ، ويؤثر سلبا على خصومهم. وهذه الآية تزيل ما قد يقع لدى البعض من اللبس من أن إضعاف كيد الكافرين المذكور في الآية السابقة خاص بما يتعلق بجانب المخادعة والمكايدة، أما العدد إذا كان كثيرًا، فلا سبيل إلى مواجهته إلاَّ بعدد مكافئ له، فجاءت هذه الآية بالتصريح (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ) فلا كيد ولامخادعة، ولاعدد ولا عدة تنفع في مواجهة من هم في معية الله،؛ لأن الخصم هنا ليس كما يظنون بشرًا يأكل الطعام، ويتأثر بالعوامل المادية فقط،، وإنما هو بشر يحمل دينًا لم يدركوا طبيعته ودوره في الحياة، فذلك الدين جاء ليبقى، ويكون هو الأعلى، وما دام كذلك، فلا مجال لأتباعه إلا أن يكونوا هم الأعلى، وإلا، فالموت أولى.
طريقان لا ثالث لهما إما العزة وإما الموت، ومن كان ذليلًا فهو في عداد الموتى حتى ينفض عن نفسه غبار الذل، ولا يحصل له ذلك إلاّ بالإيمان {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران/139) .
وطبيعة هذا الدين لم يدركها الخصم، أو أنه يدركها، ولكنه يحاول التغاضي عنها حقدًا وعنادًا وكبرًا، فمشركو العرب لم يكونوا أقل فهمًا ممن سبقهم الذين قال الله عنهم وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ