منهم مع تعديل الله تعالى لهم - المطلع على بواطنهم - إلى تعديل أحد من الخلق لهم، فهم على هذه الصفة إلا أن يثبت على أحدهم ارتكابُ ما لا يَحْتمل إلا قصد المعصية، والخروج من باب التأويل، فيُحكم بسقوط عدالته، وقد برأهم الله تعالى من ذلك، ورفع أقدارهم عنده. على أنه لو لم يَرد من الله عز وجل ورسولِه فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنُّصرة، وبذلِ المُهَج والأموال، وقتلِ الآباء والأولاد، والمناصحةِ في الدين، وقوةِ الإيمان واليقين، القطعَ على عدالتهم، والاعتقادَ لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدَّلين والمزكَّين، الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين. هذا مذهب كافة العلماء، ومن يُعتد بقوله من الفقهاء )) [1] .
المطلب الثاني: التزكية لا توجب العصمة
كون الصحابة رضوان الله تعالى عليهم موارد حفظ ومراسي إتقان - كما تقدم -، لا ينفي عنهم ما قد يعتري خواص البشر المنتخبين من الوقوع في بعض الخطأ والوهم والسهو والنسيان، لأن هذه الأحوال من طبيعة الإنسان، فلا تُنْقِص لهؤلاء الرفعاء قدرًا، ولا تغمز فيهم ذكرًا، فقطرة مالحة لا يمكن لها بحال أن تغير حوضًا من الماء الزُّلال، وهَفْوة من ماجد لا تزحزح عن مدارج الأَثَال، ولله دَرُّ القائل:
شَخَصَ الأنامُ إلى كمالِكَ فاستعذْ ... من شَرِّ أَعيُنهم بعيبٍ واحدِ [2]
ومما يدل على طُرُوء ذلك فيهم قول يزيد بن حَيّان: (( انطلقت أنا
(1) الكفاية 1/ 180 - 181، 186 - 187.
(2) تَمَثَّل بهذا البيت ابن رُشَيْد في السَّنَن الأَبْين والمَوْرِد الأَمْعَن في المحاكمة بين الإمامين في السند المُعَنْعَن 171، وابن حجر في النكت على كتاب ابن الصلاح 1/ 473.