قد توالى صفاء الرواية، وتواصل نقاؤها في عهد الصحابة، فلا شَوْب ولا رَوْب، ولا شَيْن ولا مَيْن، بل استقامة على الجادة الهادية، وانتظام في سلك الحق، إلى أن ذَرَّ رأس الفتنة بمقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه على أيدي أهل الأهواء الآثمة، وذلك في ختام سنة خمس وثلاثين، فتغير حينئذ الحال، ونبتت الأهواء، فخاف السلف على السنة، فاحتاطوا لها كل الاحتياط، وذبوا عنها بجد وإخلاص، وازداد تثبتهم في قبول الرواية، وتحرّزوا للأمر، وأخذوا فيه بالوثيقة، ولسان حالهم:
إنَّ السَّلامةَ من سَلْمى وجارتِها أن لا تَمُرَّ على حالٍ بواديها [1]
المطلب الأول: السنة محفوظة في كل العصور
بقيت السنة مكنونة مصونة، حفظها الله تعالى من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وهيأ لها على مر العصور الجهابذة الأوفياء، والحفظة النجباء، الذين افتدوها بأنفسهم وما يملكون، وتفانَوا في حراستها على أكمل ما يكون، حتى ارتبط اسمهم باسمها، {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} [2] .
ولعبد الله بن المبارك أقوال مأثورة في ذلك: قال أبو حاتم الرازي - فيما رواه عنه ابنه: أخبرني عَبْدَة بن سليمان المَرْوزي قال: قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟! قال: يعيش لها الجهابذة )) [3] . وقال أبو حاتم أيضًا - كما
(1) تَمَثَّل بهذا البيت كثير من الأئمة، منهم ابن الجوزي في كشف المُشْكِل من حديث الصحيحين 2/ 105. وبعضهم يُبدل (ليلى) بـ (سَلْمى) .
(2) سورة الفتح: من الآية 26.
(3) خُرِّج في المصدر السابق 1/ 3، 2/ 18.