المبحث الأول: مرحلة الكمال
المطلب الأول: تزكية الجيل الأول
لم يكن البحث عن الإسناد واجبًا في الجيل الأول، لقرب العهد، وثقة كل فرد، واجتباء الله تعالى لهم ليكونوا أصحاب هذا المجد.
كان الصحابة رضوان الله عليهم معادن الصدق، ورءوس العدالة، وصدور الأمانة، إضافة إلى كونهم أوعية حفظ ومصدر إتقان، وقد أهّلهم لتلك المنْزلة: صفاء أذهانهم، وعلو همتهم، وكمال التزامهم، وصدق إخلاصهم، فضلًا عن اصطفاء الله لهم ليكونوا حملة هذا الدين وحُمَاته، وسَدَنة الحديث ووُعاته.
وحسبنا في ذلك كله وحسبهم: تزكية الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لهم، فمن ذلك قول الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [1] . وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: «خيرُ الناس قَرْني، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يَلُونهم» [2] .
(1) سورة التوبة: الآية 100.
(2) متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود وعِمران بن حُصين رضي الله عنهم - واللفظ لابن مسعود-: ففي صحيح البخاري: كتاب الشهادات، باب لا يشهدُ على شهادة جَوْر إذا أشهد 7/ 103 (2651، 2652) ، وكتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم 8/ 557 - 558 (3650، 3651) ، وكتاب الرقاق، باب ما يُحْذَرُ من زهرة الدنيا والتنافس فيها 14/ 374 - 375 (6428، 6429) ، وكتاب الأيمان والنذور، باب إذا قال: أشهد بالله أو شهدت بالله 15/ 105 (6658) ، وباب إثم من لا يفي بالنذر 15/ 163 (6695) . وفي صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ... 4/ 1962 - 1964 (2533، 2535) .