الصفحة 28 من 49

وقول خيثمة بن عبد الرحمن - السابق: (( لم يكن الناس يسألون عن الإسناد، حتى كان زمن المختار فاتهموا الناس ) )، أي أن تفسير الفتنة في قول ابن سيرين بما جرى بعد وفاة معاوية - رضي الله عنه - سنة ستين من الهجرة أولى وأقرب، فبعد معاوية رضي الله عنه لم يتفق الناس على مبايعة ابنه يزيد، واستُشهد الحسين بن علي رضي الله عنهما سنة إحدى وستين، ثم نَشِبت وقعة الحَرّة وما تلاها من استباحة المدينة المشرفة سنة ثلاث وستين، ثم تغلب المختار على الكوفة سنة ست وستين إلى أن مُحق مع أتباعه على يد مصعب بن الزبير سنة سبع وستين، وغيرها من الأحداث الكبار، الواقعة في العشر السابع من القرن الأول، والتي قتل فيها الألوف الكثيرة، واختل النظام، وضعف أمر السلطان، ونجم قرن الفِرق، وتعالت الأهواء.

لكن بعض النواحي- وإن تعرضت لفتنة السيف- لم تُكَدَّر في ذلك الوقت بالكذب والظِّنّة في أمر العلم، إما لأنها حافلة بالأئمة كالمدينة المنورة، أو لثبات أمر السلطان فيها كالشام، لذا تأخر فيها التشديد في طلب الإسناد، ولم يطل خشية أن تنحو تلك الروايات المُريبة نحوهم، وتطرق ديارهم، فتصدى لذلك كثير من الأئمة، ثم تأكد الأمر بظهور بعض الروايات التي توجب الحذر.

ومن هذا يُعلم معنى قول الإمام مالك بن أنس: (( أول من أسند الحديث ابن شهاب ) ) [1] . أي أنه أول من حرص على التزامه في نفسه مع مطالبة الآخرين بلزومه وعدم التساهل في شأنه، وذلك في الشام والمدينة المنورة، قال أحمد بن أبي الحواري: (( سمعت الوليد بن مسلم قال: خرج الزهري ... فسمعهم يقولون: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: فقال: يا أهل الشام، مالي أرى أحاديثكم ليس لها أَزِمّة

(1) أخرجه ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل 1/ 20. وتنظر تعليقات الشيخ محمد عوامة على الكاشف 2/ 221.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت