الصفحة 76 من 188

وحين يشرع الإنسان ويضع المعالجات، فإنه في حقيقة الأمر لا يعالج مشاكل الإنسان بوصفه إنسانًا، أي لا ينظم إشباع الحاجات والغرائز، وإنما هو يعالج مشاكل عرضية ظاهرية ألمت بالإنسان في وقت من الأوقات وفي مكان من الأمكنة، بحيث لا يصلح هذا النظام لأن يطبق في غير هذا المكان وذلك الزمان. وغالبًا ما يكون مخفقًا حتى في معالجة المسألة الجزئية، وجالبًا الضرر بدل العلاج.

أما النظام الآتي من عند الله سبحانه، فإنه تشريع للإنسان بوصفه إنسانًا، وبالتالي فهو صالح لكل زمان ومكان، لأن الإنسان في غرائزه وحاجاته العضوية هو هو لا يتغير مهما تبدلت الأزمان والعصور ... { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ...} (1) .

علاوة على ذلك، فإن عقل الإنسان عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض. ذلك أن ما يراه فلان صالحًا من التشريعات للإنسان قد يراه غيره فاسدًا خاطئًا، وبالتالي فإن كل مشرع يضع نظامًا يختلف عن الآخر. كما أن ما يراه الشخص نفسه اليوم صالحًا قد يراه غدًا فاسدًا، لذلك نرى المشرعين دائمًا يعدّلون ويغيّرون تشريعاتهم بحيث أصبحت البشرية بالنسبة لهؤلاء كالفأر في المختبر يجربون بها نظرياتهم وتشريعاتهم، فاصطلت بنيرانهم وتقلبت على أشواكهم. وصدق الله العظيم إذ قال: { ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ...} (2) .

أما التشريع الذي يتلقاه الإنسان من الوحي، فإنه التشريع الثابت الدائم الذي لا يطرأ عليه تعديل ولا تبديل ولا تغيير، لأنه من الخالق العليم الحكيم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.

وبعد ذلك التباين البعيد، بين إنسان قاصر عاجز متأثر بأهوائه وبيئته، وبين خالق عليم حكيم لطيف حي قيوم: فمِمَّنْ يجدر بالبشرية أن تستقي نظامها ؟ أمن الإنسان أم من الله تعالى ؟ وبعبارة أخرى: من العقل أم من الوحي ؟

(1) - سورة الروم - الآية 30

(2) - سورة المؤمنون - الآية 71

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت