الصفحة 62 من 188

ما هي طريقة الانتفاع بالأشياء التي حوله ؟ أي ما هي طريقة إشباع حاجاته وغرائزه ؟ فالانتفاع بتلك الأشياء، وإشباع الحاجات والغرائز لدى الإنسان ليس عملية آلية وتلقائية كما هو شأن البهيمة، وإنما لدى الإنسان ذهن يضع أمامه الكثير من الخيارات والسبل للانتفاع والإشباع.

فإذا اختار الإنسان كيفية معينة للانتفاع بالأشياء وطريقة معينة لإشباع حاجاته وغرائزه فإنه يكون قد اختار سلوكًا معينًا، فهذا هو السلوك. إنه تلك الكيفية التي اعتمدها في إشباع رغباته وتلك القواعد التي تتحكم بتصرفاته وأفعاله وردود الأفعال التي تصدر عنه، ومواقفه إزاء الأشياء والأحداث التي يعاينها، وطريقة علاجه للمشاكل التي تعترضه في حياته.

والآن بعد أن عرفنا السلوك، نأتي إلى البحث الجوهري. ما هو السلوك السوي المؤدي إلى النهضة الصحيحة، وبالتالي إلى السعادة ؟ والإجابة تبدأ بما يلي:

إذا أردنا العثور على السلوك السوي، فلا بد لنا من الحصول على الفكر الصحيح، ذلك أن سلوك الإنسان مرتبط بمفاهيمه، وهو يكيّف سلوكه في الحياة بحسب مفاهيمه عن الأشياء. فسلوك الإنسان كما قررنا هو مجموع علاقاته مع الأشياء والناس من حوله، ومفهوم الإنسان عن تلك الأشياء هو الذي يعين له موقفه منها. فمفاهيم الإنسان عن شخص يحبه تكيف سلوكه نحوه، على النقيض من سلوكه مع شخص يبغضه وعنده مفاهيم الكراهية عنه، وعلى خلاف سلوكه مع شخص لا يعرفه ولا يوجد لديه أي مفهوم عنه. لذلك إذا أردنا أن نرتقي بسلوك الإنسان فلا بد من أن نوجد له المفاهيم الصحيحة أولًا، { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } (1) .

(1) - سورة الرعد - الآية 11

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت