أما المدنيّة، وهي"مجموعة الأشكال والوسائل المادية المستخدمة في شؤون الحياة"، فهذه يجوز أخذها والاستفادة منها، ما دامت غير ناجمة عن حضارة غير الحضارة الإسلامية، أو ما لم تكن متعارضة مع الحضارة الإسلامية. فهي تكون في هذه الحالة نتاجًا بشريًا حياديًا غير معبر عن وجهة نظر ولا طريقة عيش ولا عن حضارة من الحضارات. وذلك كما أخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسلوب حفر الخندق من الفرس حين أبلغه إياه سلمان الفارسي رضي الله عنه في غزوة الأحزاب، وكما أخذ عمر بن الخطاب أسلوب الدواوين من الفرس أيضًا، وهي شكل من أشكال المحاسبة المالية وإدارة الأعمال، وكما استفاد المسلمون على مر عصور نهضتهم من العلوم والإنجازات المادية التي أبدعتها الشعوب السالفة والمعاصرة لهم، إذ إن هذه الأشياء تنطبق عليها القاعدة الشرعية"الأصل في الأشياء الإباحة". وبناء عليه يجوز للمسلمين اليوم أن يأخذوا أو يقتبسوا من أي شعب من الشعوب الإبداعات المادية من عسكرية ومدنية وصناعية وغيرها، كالطائرة والسيارة والآلة العسكرية ومعدات الطب والهندسة والمختبرات والنظريات العلمية. بل ربما وجب ذلك في بعض الأحيان، وذلك حين تكون تلك الوسائل من أسباب القوة لقوله تعالى: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } (1) ، أو حين تكون تلك الأشكال والوسائل مما لا يتم الواجب إلا به. فإذا كان تصريف الأعمال في مؤسسات الدولة يقتضي العمل بأنظمة إدارة الأعمال وإدخال أجهزة"الكمبيوتر"، وإذا كانت رعاية شؤون الناس تقتضي من الدولة تنظيم السير والبناء والأسواق بأساليب حديثة، فلا بأس في استفادة تلك الأساليب من أي دولة من الدول. ذلك أن كل هذه الأشكال والوسائل المدنية لا ترتبط بحضارة من الحضارات.
(1) - سورة الأنفال - الآية 60