وهكذا يمضون في الاستشهاد بالتاريخ الأوربي - وكأنه تاريخ العالم - فيصلون إلى التاريخ الحديث الذي يبدأ حسب اصطلاحهم في القرن الخامس عشر، فيربطون بين بوادر النهضة في تلك القرون وبين الصراع الذي بدأ ينشب بين الكنيسة الكاثوليكية التي تسيطر على المجتمع وتطبعه بطابعها وبين الإصلاحيين والثوريين الذين وقفوا في وجه تلك السيطرة. فكانت طلائع المعارضة متمثلة بادىء الأمر في حركة البروتستانتيين الإصلاحيين الذين طالبوا برفع النفوذ البابوي عن ممالك أوربا الحديثة وإماراتها، ورغم أن تلك الحركة اتسمت بالتزمّت البالغ الذي فاق ما لدى كنيسة روما من التعصب والاستهتار بالعقل والمعرفة، إلا أن تلك الحركة كسرت ذلك الطوق الذي كان يجعل من الكنيسة الكاثوليكية السلطان الأعلى على جميع ملوك أوربا وأمرائها (1) ولاسيما أن هذه الحركة طالبت برفع النفوذ البابوي والكنسي عن تلك الممالك والإمارات. فمن النقاط التي طرحها زونجلي أحد زعماء الإصلاح البروتستانتيين ودافع عنها بقوة، أنه"لا أساس للسلطة الروحية التي يطلق عليها اسم"الكنيسة"في الكتب المقدسة وفي تعاليم المسيح. إلا أن السلطة الزمنية تؤيدها تعاليم المسيح وسنته" (2) .
ورافق ذلك ظهور بعض الفلاسفة الذين تمردوا على الطروحات الكهنوتية وهيمنة الكنيسة، سواء على شكل ملحدين جاحدين للدين، أو على شكل علمانيين يطالبون بعزل الدين عن الحياة والمجتمع والدولة، والحجر عليه داخل الكنيسة والبيت، وطالبوا بإطلاق حرية الإنسان ليبدع فيها بعبقريته وكفاءته ومواهبه، ولينجز الأعمال التي يعبر بها عن نفسه وتطلعاته، والتي هي سبب النهضة في أي مجتمع من المجتمعات.
(1) - راجع المرجع السابق ج 27 - ص 262.
(2) - المرجع السابق - ج 24 - ص 117.