الصفحة 160 من 188

وهكذا مضى المسلمون في التوفيق بين الحضارة الغربية والإسلام، حتى خلطوا أحكام الإسلام وأفكاره بأحكام الغرب وأفكاره وأنظمته. وإذا كانت مئات السنين مضت ولم يتأثر المسلمون إلا بالقليل القليل من أفكار الحضارات والثقافات التي احتكوا بها، فإن عشرات من السنين شن خلالها الغرب حربه الحضارية والفكرية على المسلمين، كانت كافية لأن تجعل من ثقافتهم مزيجًا سمجًا ممقوتًا من أفكار الإسلام وأفكار الحضارة الغربية.

في الماضي حين كان المسلمون لا يزالون يحتقرون الغرب ومجتمعه وحضارته رفضوا أن يأخذوا منه أي شيء، حتى المنجزات والإبداعات المدنية والتكنولوجية المادية، وحين حاول بعض الولاة تحديث الأساليب والوسائل والأشكال في البلاد الإسلامية، جابههم الفقهاء حتى إن بعضهم حرم استخدام المطابع والهاتف. أما حين تفوق الغرب بشكل واضح وهدد الدولة الإسلامية وانبهر المسلمون بالغرب وتفوقه المدني والصناعي فإن الأمر قد اختلف. فقد شرّعت الأبواب أمام كل ما يرد من الغرب دون تفريق بين الحضارة والمدنية، ودون تفريق بين الثقافة والعلم. وبدأت أفكار الغرب تغزونا الفكرة تلو الفكرة. فغزتنا فكرة الديمقراطية وغزتنا فكرة الحريات العامة وفكرة القومية وفكرة الوطنية، كل ذلك مع التظاهر بالتمسك بالإسلام، فتنسب تلك الأفكار إلى الإسلام وهو منها بريء. فيقول المسلمون إن الديمقراطية من الإسلام، والإسلام صان الحريات العامة، والإسلام يحفظ للقوميات خصوصيتها وكرامتها، والإسلام عزز الحس الوطني حين أمر بالدفاع عن"الأوطان". وهكذا أصبحت كل فكرة تأتي من الغرب وتفرض نفسها على الرأي العام تقحم في الإسلام زورًا وبهتانًا، بواسطة قواعد"فقهية"جديدة لم نسمع بها لدى الفقهاء الأوائل، مثل قاعدة"لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان"وقاعدة"حيثما تكون المصلحة فثم شرع الله"، وبواسطة الكلام عن"مرونة الشريعة وتطورها"وما شاكل ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت