ولكن، مهما يكن شأن هؤلاء ضئيلًا في ذلك الوقت، إلا أن أبحاثهم كانت ممرًا لبعض الأفكار الفلسفية التي لم يكن لها أن تنتشر وتتركز في أذهان المسلمين لولا أن أسدى لها بعض العلماء خدمة جليلة بإضفاء الصفة الشرعية عليها، وأبرز تلك الأفكار ما صنف تحت عنوان"التصوف".
حين دخلت أفكار الصوفية والتصوف بادىء الأمر إلى الميدان الثقافي في العالم الإسلامي عبر ترجمات الكتب الهندية والفارسية وغيرها واعتنقها بعض الناس وأخذوا أفكارها، عاملها المسلمون - وفي مقدمتهم العلماء والفقهاء- كما عاملوا سائر الفلسفات والفلاسفة، بل كان موقفهم إزاءها أشد قسوة وأكثر وضوحًا، وذلك لبعد الشقة بينها وبين العقيدة الإسلامية من حيث الأساس. ذلك أن الفلسفة الصوفية الوافدة من الهند والصين والتي تأثر بها النصارى قبل المسلمين، بل وحتى قبل ظهور الإسلام، حوت من الأفكار والآراء ما يخالف الإسلام، بل ويعد كفرًا صريحًا بنظره. ففيها أفكار الحلول والاتحاد، وارتقاء المتصوفة إلى سدة الذات الإلهية، أو تجسد الذات الإلهية في شخص المتصوفة، وفيها الاعتقاد بحدوث المعجزات على أيدي المتصوفة وما شاكل ذلك، مما لا يمكن بشكل من الأشكال أن يلقى قبولًا أو حتى تجاهلًا من قبل المسلمين. لذلك كان"الأفراد"الذين أخذوا الأفكار الصوفية واعتنقوها مثل محي الدين بن عربي والحلاّج وغيرهما من المنبوذين المغضوب عليهم في المجتمع الإسلامي، ومعدودين في عداد الزنادقة والكفار المرتدين.