للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه"."
وهكذا، فإن هذه الأجواء التي عاشها الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة الكرام في مكة، جلبت الكثير من الضغوط المادية على حملة الدعوة، إلا أننا رأينا أن هذه الضغوط لم يكن لها أي تأثير على الدعوة ولا على الفكر الإسلامي، فهي حقبة النبوة، وقائد الدعوة هو محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنّى للكفر أن يفلح في ذلك. وقد تخطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - تلك المرحلة وأصبح للإسلام دار ودولة تحكم بما أنزل الله تعالى. وزالت تلك الضغوط عن حملة الدعوة بعد أن تخلصوا من طغيان الكفار، وأصبحوا حكام مجتمعهم في المدينة المنورة، حيث وُضع الإسلام موضع التنفيذ والتطبيق. ولم تمض عشر سنين إلا وقد انتشر الإسلام في الجزيرة العربية كلها على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وطبق الإسلام فيها نقيًا صافيًا، وعلى أحسن وجه.
بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، تابع الصحابة الكرام المسيرة، فبايعوا خلفاء يحكمونهم بكتاب الله وسنة رسوله ويرعون شؤونهم بالأنظمة التي انبثقت عن العقيدة الإسلامية. وكان الخلفاء الراشدون حريصين أشد الحرص على الحفاظ على نقاء الإسلام وصفائه وبراءته من أي لوث أو دخل. حتى إن اتساع الدولة الإسلامية وترامي أطرافها لم يغرهم باقتباس الأفكار وأنظمة الحكم والاقتصاد. ففرقوا بين الحضارة والمدنية وكذلك بين الثقافة والعلوم. وفرقوا بين أنظمة الحكم والقوانين الإدارية. فرفضوا الحضارات والثقافات وأنظمة الحياة كلها ما دامت من غير الإسلام، وأخذوا ما يلزمهم من المدنية والعلوم والقوانين الإدارية، وذلك كما فعل عمر بن الخطاب حين أخذ نظام الدواوين الذي لم يكن أكثر من أسلوب إداري كالدوائر والإدارات والسجلات التي تضمن حسن تطبيق النظام الذي تبنته الدولة.