وأما الأنظمة، فإن كل مجتمع تقوم فيه سلطة ترعى شؤونه. وتنظم علاقاته وتفصل الخصومات فيه، كل ذلك حسب نظام تتبناه وتطبقه وتُلزم جميع أفراد المجتمع به، مما يعني أن هذا النظام سيكون له أثر كبير في علاقات المجتمع.
وهكذا يظهر لنا أن المجتمع هو أناس تربطهم أفكار ومشاعر مشتركة وأنظمة. وإن هذا المجتمع يصنَّف بحسب تلك الأفكار والمشاعر والأنظمة، فإن كانت مثلًا رأسمالية كلها كان المجتمع رأسماليًا، وإن كانت شيوعية كان المجتمع شيوعيًا، وإن كانت إسلامية كان المجتمع إسلاميًا.
فحتى يكون ذلك المجتمع ذا هوية معينة وشخصية متميزة يجب أن تكون تلك المجموعة من الأفكار والمشاعر والأنظمة متجانسة، بحيث لا يناقض بعضها بعضًا.
فلو فرضنا أن مجتمعًا يحمل مزيجًا من الأفكار الرأسمالية والإسلامية -كما هو الحال في كثير من البلاد الإسلامية - فإنه لن يكون لذلك المجتمع لون معين ولا هوية محددة، وبالتالي فإنه - مادام على حاله هذه - لن يعرف النهضة ولا بشكل من الأشكال.
وكذلك ما لو قام شرخ في مجتمع ما بين العرف العام فيه وبين الأنظمة بحيث طبق الحكام أنظمة تتناقض مع مفاهيم المجتمع ومشاعره - كما هو شأن معظم العالم الإسلامي اليوم - فإنه سيكون مجتمعًا مضطربًا تتّقد فيه نار العداوة بين الحاكمين والمحكومين، وبالتالي فإنه بعيد أشد البعد عن وصف الرقي أو النهضة.
ثم إن المجتمع يرقى برقيّ أفكاره ومشاعره وأنظمته وينخفض بانخفاضها. ولا يمكن أن تكون تلك الأفكار والمشاعر والأنظمة راقية إلا أن تكون مبنية على قاعدة فكرية واحدة. وهذه القاعدة الفكرية يجب أن تكون عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، حتى تصلح أن تكون مبدأ لكل الأفكار وأصلًا لكل الأنظمة.