الصفحة 114 من 188

فلئن قامت كل الحضارات الأخرى ونشأت رويدًا رويدًا من تراث الماضي بما حوى من ضروب الرأي وتيارات الفكر، واستغرقت في تبلورها إلى شكلها الخاص وكيانها المحدد آمادًا طويلة من الزمن، فلقد انفردت حضارة الإسلام وحدها بانبجاسها إلى الحياة دون سابق عهد أو انتظار.

وقد جمعت هذه الحضارة، من فجر نشأتها، كل المقومات الأساسية لحضارة مكتملة شاملة. فقامت في مجتمع واضح المعالم، له نظرته الخاصة إلى الحياة، وله نظامه التشريعي الكامل وله نهجه المحدد للعلاقات بين الأفراد، بعضهم ببعض داخل هذا المجتمع.

ولم يكن قيامها ثمرة تقاليد زخر بها الماضي، ولا وليد تيارات فكرية متوارثة، ولكن هذه الحضارة، كانت وليدة حدث تاريخي فريد وهو تنزيل القرآن الكريم". (1) "

إن المفكرين الغربيين - ولا سيما المستشرقين منهم- ثم العلمانيين من المثقفين في العالم الإسلامي لم يطيقوا العجز عن تطبيق نظرية تواصل الحضارات الإنسانية على الحضارة الإسلامية، فراحوا يتلمسون في التاريخ الإسلامي الظواهر والأحداث والنصوص والآثار التي يمكن امتطاؤها لادعاء أن الحضارة الإسلامية هي امتداد لسائر الحضارات السابقة والمعاصرة لها من جاهلية ورومانية وفارسية وهندية وغيرها. إلا أن الباحث النزيه يقطع بأن هذه المحاولات كانت عبثًا وأنها طَرْق لباب المستحيل، كالذي يحاول إثبات أن الوالد أصغر عمرًا من ولده.

(1) - الإسلام والتحدي الحضاري. ص 19 - 20

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت