الصفحة 113 من 188

وبينما نجد أن الحضارتين الغربية الرأسمالية والشيوعية - اللتين قامتا انقلابًا على حضارة العصور الوسطى- لم توجدا على أرض الواقع إلا بعد إرهاصات طالت عدة قرون حيث تتابع المفكرون والفلاسفة يبدعون فكرة تلو فكرة ونظرية تلو الأخرى حتى جاء مفكرون ليرمموا تلك الأفكار المتناثرة ويصوغوا منها مبدئين كاملين لم يوضعا موضع التطبيق إلا بعد قرون من المخاضات الحضارية العسيرة، أقول: بينما نجد ذلك في هاتين الحضارتين،فإننا نجد أن الحضارة الإسلامية التي أحدثت ذلك الانقلاب في الجزيرة العربية وسائر الشعوب التي دخلت حظيرتها بدأ انتشارها منذ إعلان محمد - صلى الله عليه وسلم - لها في مكة قلب الجزيرة العربية، وآتت ثمارها بعد ثلاثة عشر عامًا من ولادتها حين ارتكزت في المدينة المنورة"يثرب"، ثم انتشرت بعد ذلك بعشر سنوات في كل الجزيرة العربية، لتتابع بعد ذلك مسيرتها في سائر العالم القديم. ولم يمض قرن واحد إلا وقد أصبحت تظلل مساحة شاسعة تمتد من الصين شرقًا إلى الأطلسي غربًا، حيث ضربت صفحًا عن كل الحضارات السابقة في تلك البلاد من فارسية وبيزنطية وهندية وغيرها إلى غير رجعة.

يقول الأستاذ محمد أسد ( ليوبولد فايس) :"واضح إذن أننا مهما أوغلنا في التنقيب والبحث فيما سلف من حضارات البشر، فلن نجد توقيتًا معينًا نستطيع أن نحدده بدءًا لحضارة ما، أو تاريخًا لمولدها، ولا أن نعين حدًا فاصلًا يميز بين حضارة ولت وأخرى أشرق عليها النور وتبدت للوجود."

ولكن هناك استثناء واحدا لكل ما أسلفنا من قول، استثناء تكاد لغرابته تذهل العقول وتنعقد الألسنة، فلم يذكر تاريخ البشر فيما عرفه الناس من حضارات سوى حضارة واحدة برزت للوجود من عالم الغيب دفعة واحدة، واستوت للناظرين قائمة على أصولها في فترة محدودة من تاريخ البشر، تلك ولا شك حضارة فذة من نوع فريد وإنها لحضارة الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت