والاكرام يقتضي ذلك، فجعل سبحانه في مقابلة هذه الاسباب أسبابا
يحبها ويرضاها ويفرح بها أكمل فرح وأتمه، تقابل تلك
الاسباب [130/ أ] التي هي سبب (1) زوال العالم وخرابه، فدافعت تلك
الاسباب وقاومتها، وكان هذا من اثار مدافعة رحمته لغضبه، وغلبتها
له، وسبقها إياه، فغلب أثر الرحمة أثر الغضب كما غلبت الرحمة
الغضب.
ولهذا استعاذ النبي ع! يم بصفة الرضا من صفة السخط، وبفعل
المعافاة من فعل العقوبة، ثم جمع الامرين في الذات إذ هما قائمان بها،
فقال:"أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك"
منك" (2) ."
فان ما يستعاذ به هو صادر عن مشيئته وحلقه بإذنه وقضائه، فهو
الذي أذن في وقوع الاسباب التي يستعاذ منها خلقا وكونا، وهو الذي
يعيذ منها ويدفع شرها خلقا وكونا، فمنه السبب والمسبب. وهو الذي
حرلث الانفس والابدان واعطاها قوى التأثير، وهو الذي اوجدها واعدها
وأمدها وسلطها على ما شاء، وهو الذي يمسكها إذا شاء، ويحول بين
قواها وتاثيرها.
فتأمل ما تحت قوله:"اعوذ بك منك"من محض التوحيد، وقطع
الالتفات إلى غيره، وتكميل التوكل عليه، والاستعانة به وحده، وإفرا د ه
بالخوف والرجاء، ودفع الضر وجلب الخير، فهو الذي يمس بالضر
بمشيئته، وهو الذي يدفعه بمشيئته، وهو المستعاذ بمشيئته من مشيئته،
(1) ساقطة من الاصل، واستدركتها من (ب) و (ن) .
(2) رواه مسلم في"صحيحه"رقم (486) من حديث عائشة رضي الله عنها.