فأخبر سبحانه أنه خلق العالم العلوي والسفلي، وقدر أجل الخلق،
وخلق ما على الارض للابتلاء والاختبار، وهذا الابتلاء إنما هو ابتلاء
صبر العباد وشكرهم في الخير والشر والسراء والضراء، فالابتلاء بالنعم
من الغنى والعافية والجاه والقدرة، وتاتي الاسباب أعظم الابتلاءين،
والصبر على طاعة الله عز وجل أشق الصبرين 0 كما قال الصحابة رضي
الله عنهم:"ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر" (1) .
والنعمة بالفقر والمرض وقبض الدنيا وأسبابها وأذى الخلق قد
تكون أعظم النعمتين، وفرض الشكر عليها أوجب من الشكر على
أضدادها، فالرب تعالى يبتلي بنعمه، وينعم بابتلائه.
غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان أ2) للعبد في أمر الرب ونهيه
وقضائه وقدره لا يستغنى عنهما طرفة عين.
والسؤال عن أيهما أفضل [67/ ا] كالسؤال عن الحبس والحركة
أيهما أفضل؟ وعن الطعام والشراب أيهما أفضل؟ وعن خوف العبد
ورجائه أيهما أفضل؟
فالمامور لا يؤدى إلا بصبر وشكر، والمحظور لا جصرك إلا بصبر
وشكر.
وأما المقدور الذي يقدر على العبد من المصائب فمتى صبر عليه
اندرج شكره في صبره، كما يندرج صبر الشاكر في شكره.
(1) رواه الترمذي في"جامعه"رقم (2464) ، عن عبدالرحمن بن عوف رضي الله
عنه. وقال الترمذي:"حديث حسن".
(2) ساقطة من الاصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الاخرى.