فصل
إذا عرف هذا فكل من الصبر والشكر داخل في حقيقة الاخر لا
يمكن وجوده إلا به، وإنما يعبر عن أحدهما باسمه الخاص به باعتبار
الاغلب عليه والاظهر منه، وإلا فحقيقة الشكر إنما يلخشم من الصبر
والارادة والفعل، فان الشكر هو العمل بطاعة الله عز وجل وترك
معصيته، والصبر أصل ذلك.
فالصبر على الطاعة وعن المعصية هو عين الشكر، وإذا كان الصبر
مأمورا به، فأداؤه هو الشكر.
فان قيل: فهذا يفهم منه اتحاد الصبر والشكر، وانهما اسمان لمسمى
واحد، وهذا محال عقلأ ولغة وعرفا، وقد فرق الله سبحانه بينهماه
قيل: بل هما معنيان متغايران، وإنما بينا تلازمهما وافتقار كل واحد
منهما في وجود ماهيته إلى الآخر، ومتى تجرد الشكر عن الصبر بطل
كونه شكرا، وإذا تجرد الصبر عن الشكر بطل كونه صبرا؟ أما الاول
فظاهر، وأما الثاني ف! نه إذا تجرد عن الشكر كان كفورا، ومنافاة الكفور
للصبر أعظم من منافاة السخط (1) .
فان قيل: بل ههنا قسم اخر وهو: ان لا يكون كفورا ولا شكورا،
بل صابرا على مضض وكراهة شديدة، فلم يأت بحقيقة الشكر ولا خرج
عن ماهية الصبر.
قيل: كلامنا في الصبر المامور به الذي هو طاعة، لا في الصبر الذي
(1) في (ب) :"السخوط".