[ج 1: ص 68] ثم رحل رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من بدر بعد ثلاث يريد المدينة وحمل الأسارى معه، فلما انحدر من بدر إذا بطلحة بْن عبيد اللَّه وسعيد بْن زيد قد أقبلا من الحوران، فضرب لهما النبي صلى الله عليه وسلم بسهميهما وأجرهما، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الصفراء، وبينهما وبين المدينة ثلاث ليال، أمر بقتل النضر بْن الحارث وكان أسيرًا، قتله علي بْن أبي طالب، فلما بلغ عرق الظبية قتل عتبة بْن أبي معيط؛ فقال عتبة لرَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: من للصبية يا مُحَمَّد؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"النار". ثم قسم الغنائم بين الناس بالصفراء، وبين الصفراء وبين بدر سبعة عشر ميلا، قسمها على من حضر بدرًا وأخذ سهمه مع المسلمين. ثم إن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أقبل إلى المدينة قبل الأسارى بيوم ثم قدم بالأسارى يوم الثاني، فلما بلغوا الروحاء لقيهم المسلمون يهنئونهم بفتح اللَّه عليهم، فقال سلمة بْن سلامة بْن وقش: ما الذي تهنئون به، والله إن لقينا إلا عجائز صلعًا كالبدن المعلقة ننحرها، فتبسم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثم قال:"يابن أخي! أولئك الملأ من قريش". ثم قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم للعباس بْن عَبْد المطلب:"افد نفسك وبني أخيك عقيل بْن أبي طالب ونوفل بْن الحارث، وحليفك عتبة بْن عمر أحد بني الحارث بْن فهر، فإنك ذو مال، فقال: يا رسول اللَّه! إني كنت مسلمًا ولكن القوم استكرهوني، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"اللَّه أعلم بإسلامك، إن يكن ما تذكر حقًا فالله يجزيك بذلك، فأما ظاهر أمرك فكان علينا فافد نفسك". وقد كان رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أخذ منه عشرين أوقية من ذهب، فقال العباس: يا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"فأحسبها من فدائي، قال: لا، ذاك شيء أعطانا اللَّه منك"، فقال العباس: فإنه ليس لي مال، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"فأين المال الذي وضعته بمكة حين خرجت عند أم الفضل بنت الحارث فليس معكما أحد فقلت لها: إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا، ولقثم كذا، ولعبد اللَّه كذا؟"، قال: فوالذي بعثك بالحق، ما علم بهذا أحد من الناس غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول اللَّه. ثم بعث قريش في فك الأسارى جبير بْن مطعم إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقتل النبي صلى الله عليه وسلم من قتل منهم وفادى منهم، ومن لم يكن له مال من عليهم، وفادى من كل من العرب فيهم بأربعين أوقية، من كان منهم من الموالي بعشرين أوقية في غزوة بدر، ونزلت {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ إلى قوله فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا} ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس من قبلكم، وذلك أن اللَّه جل وعلا رأى ضعفكم فطيبها لكم، وكانت الغنائم فيما قبل تنضد فتجيء النار فتأكلها"."