قالت: نعم، فبعثوا إلى أهليهم، فقدموا، فسكنوا تحت الدوح، واعترشوا عليها العرش، ومكثوا ما شاء الله.
ثم إن جرهم استخفّوا بحرمة البيت، وارتكبوا العظائم من الذنب، فنضب ماء زمزم، وانقطع حتى عمي مكانه.
قوله: «ثم إن جرهم استخفوا» :
اختصر المصنف رواية أبي الوليد، وتمام لفظه بعد قوله: ومكثوا ما شاء الله:
فلما استخفت جرهم بالحرم وتهاونت بحرمة البيت وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها سرّا وعلانية وارتكبوا مع ذلك أمورا عظاما: نضب ماء زمزم وانقطع، فلم يزل موضعه يدرس ويتقادم وتمر عليه السيول عصرا بعد عصر حتى غبّي مكانه، وقد كان عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي قد وعظ جرهما في ارتكابهم الظلم في الحرم واستخفافهم بأمر البيت وخوفهم النقم وقال لهم: إن مكة بلد لا تقر ظالما، فالله الله قبل أن يأتيكم من يخرجكم منها خروج ذل وصغار، فتتمنوا أن تتركوا تطوفون بالبيت فلا تقدروا على ذلك، فلما لم يزدجروا ولم يعوا وعظه عمد إلى غزالين كانا في الكعبة من ذهب وأسياف قلعية كانت أيضا في الكعبة فحفر لذلك كله بليل في موضع زمزم ودفنه سرّا منهم حين خافهم عليه، فسلط الله عليهم خزاعة فأخرجتهم من الحرم ووليت عليهم الكعبة والحكم بمكة ما شاء الله أن تليه، وموضع زمزم في ذلك لا يعرف؛ لتقادم الزمان، حتى بوأه الله تعالى لعبد المطلب بن هاشم لما أراد الله من ذلك فخصه به من بين قريش.
تنبيه: ذكر المصنف هنا قصة حفر عبد المطلب زمزم ورؤياه التي رآها في ذلك، نقلناها إلى أبواب نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم للمناسبة، واتباعا لعمل أهل السير والدلائل.