نحن الملوك الفقرا ... في الناس حكمنا جرى
ولا جنود عندنا ... ولا نريد عسكرا
ولا لنا مال ولا ... جاه ولا قدر يرى
وما لنا من مسعف ... ولا معين في الورى
ومن يرد يدوسنا ... برجله دوس الثرى [1]
وكم علينا يعتدى ... وكم علينا يفترى
وصبرنا حصن لنا ... من الأذى والافترا
ونحن لا نحن ولا ... ذات ولا وصف سرى
ولم نزل في عدم ... نقرّ في أمّ القرى
وهو المحقّق الذي ... به نراه لا مرا
بل لا يراه غيره ... ومن دراه ما درى
وقال رضي الله عنه [2] :
إنّ الغنيّ إلى المولى من افتقرا ... في كلّ حال وعن أغياره نفرا
وما له رغبة في غير سيّده ... بحكمه هو راض منه كيف جرى
يا أغنياء بدرس العلم مطلبكم ... مال وجاه وتقريب إلى الأمرا
خلّوا المساكين في علم الإله ولا ... تكلّفوهم يزيلوا حالة الفقرا
تحقيركم والأذى منكم لهم حسد ... بل ذاك بغض وتقبيح بكم ظهرا
هم تاركون لكم ما تفخرون به ... فلتتركوهم وكفّوا عنهم الخبرا
خذوا التقدّم في الدّنيا بأجمعه ... على الفقير وخلّوه يكون ورا
فكم تسيئون ظنّا تغلبون به ... فيظهر القهر والدنيا لمن قهرا
علومكم كلّها في الله منشأها ... من العقول على مقدار ما خطرا
أتحسبون بأنّ الدّين أجمعه ... ما عندكم من علوم من أراد قرا
دين النبيّ ابن عبد الله بحر هدى ... أمواجه كلّ بحر إن بدا بهرا
لا بالعقول ولا بالفكر يطلبه ... من قد أراد وإن طول الدّجى سهرا
وإنّما هو في تقوى القلوب وما ... في الوسع من طاعة بالصدق منك ترى
وبانكسار وذلّ في الطريقة مع ... ذوق الفناء بوجدان لديك سرى
والذكر بالله لا باللفظ تورده ... مع غفلة منك عنه كلّما ذكرا
(1) الثّرى: التراب أو النديّ منه.
(2) في الأبيات إشارة إلى مقام الفقر والغنى. انظر حديث القشيري عنهما برسالته ص 279271.