أسباب القوة لا في أسباب الرقة، ويريد أن يعمل؛ ليوجد حقيقته قبل أن يعمل؛ ليبدع خياله.
ومع ذلك فقد جاء في ديوان حافظ غزل قليل كان كله متابعة وتقليدًا في فن يحسن التقليد إلا فيه خاصة؛ عمل صدرًا لقصيدة مدح بها الخديو مطلعها:
كم تحت أذيال الظلام متيمدامي الفؤاد وليله لا يعلم
وقلد ابن أبي ربيعة في حكاية حب لفقها تلفيقًا ظاهرًا، ثم زعم أن الحبيبة قالت له في آخرها:
فاذهب بسحرك قد عرفتك واقتصدفيما تزيَّن للحسان وتوهم
وكلمة صاحبة ابن أبي ربيعة:
أهذا سحرك النسوانقد عرفتني الخبرا
أهذا سحرك النسوان؟ ... هذه كلمة لا تخرج إلا من فم حبيبته آية في الظرف، وفيها تجاهلها وعرفانها وابتسامها وإشراق وجنتيها، وأكاد والله أرى فيها
تلك الجميلة وهي تدق بيدها على صدرها دقة الاستفهام المتدلل المتظاهر بالدهشة؛ ليتنهد فيه الكلام والمتكلم معًا، أما قول حبيبة حافظ الخشبية، أو الحجرية... اذهب... قد عرفتك واقتصد... فهذا خليق أن يكون من فم قاضٍ وهو ينصح المتهم بعد الأمر بالإفراج عنه... أو مأمور قسم عند ضبط الحادثة!
أكبر ظني أن روح حافظ نفسه هي التي أوحت إلى الآن هذه"النكتة"، فإنه -رحمه الله- كان آية في الباب، وله من النوادر محفوظة ومخترعة ما لا يلحق فيه؛ ولو كان كاتبًا على قدر ما كان شاعرًا، وزاول النقد واستظهر للكتابة فيه بتلك الملكة المبدعة في التندر والتهكم، مع ما أوتي من القوة في اللغة والبيان -لكانت النعمة قد تمت به على الأدب العربي، ولقلنا في شعره وكتابته وأدبه ما قال هو في الأستاذ الإمام:
فأطلعت نورًا من ثلاث جهات
وما دمنا قد ذكرنا النقد فمن الوفاء للتاريخ الأدبي أن نذكر مذهب شاعرنا فيه: فلم يكن عنده منه إلا ذوق الكلام، وإدراك النفرة والنبوة في الحرف، والغلظ والجسأة في