لا ريب في أن النهضة واقعة في الأقطار العربية، مستطيرة في أرجائها استطارة الشرر يضرم في كل جهة نارًا حامية، ويستمد من كل ما يتصل به لعنصره الملتهب، ولا ريب في أن الشرق قد تفلت من أوهام السياسة وخرافاتها، وقد اختلف على الغرب بعد أن طابقه زمنًا، وتابعه مدة، وعرفه بمقدار ما بلاه، وكذبه ما صدقه، ونفر منه بقدر ما اطمأن إليه؛ ولا ريب في أن العقل الشرقي قد تطور وأدرك معنى نكث العهد ونقض الشرط في السياسة الغربية، وعلم أن ذلك هو بعينه العهد والشرط في هذه السياسة ما دامت المفاوضة والتعاقد بين الذئب والشاة.. ولا ريب أن الشرق يجاذب الآن مقاليده التي ألقاها، ويضرب على سلاسله التي تقيد بها، ويكابد الصعود والهبوط في نهضته هذه؛ وقد كان بلغ من رضائه على الذل وقراره على الضيم، وجهله وتجاهله -أن أوربا ربطت أقطاره كلها في بضعة أساطيل تجذبها جذب الكواكب للأرض.
غير أني مع هذا كله لا أسمي هذه النهضة إلا من باب المجاز والتوسع في العبارة، والدلالة بما كان على ما يكون؛ فإن أسباب النهضة الصحيحة التي تطرد اطراد الزمن، وتنمو نمو الشباب، وتندفع اندفاع العمر إلى أجل بعينه -لا يزال بيننا وبينها مثل هذا الموت الذي يفصل بيننا وبين سلفنا وأوليتنا؛ وإلا فأين الأخلاق الشرقية، وأن المزاج العقلي الصحيح لأمم الشرق، وما هذا الذي نحن فيه من روح لا شرقية ولا غربية ثم أين المصلحون الذين لا يساومون يملك ولا إمارة، ولا يطلبون بالإصلاح غرضًا من أغراض الدنيا أو باطلًا من زخرفها؟ ثم أين أولئك الذين تجعلهم مبادئهم العالية القوية أول ضحاياها، وتروي منهم عرق الثرى الذي يغتذي من بقايا الأجداد لينبت منه الأحفاد؟
1 كتب هذا المقال جوابًا للاستفتاء الآتي الذي وجهته إليه إحدى المجلات العربية: