طريقة المعري؛ ووضوحه كذلك باعده من الفلسفة وإبهامها، ومن الطبيعة وألغازها، ومن الغزل ووساوسه؛ وهو الذي أداه إلى الشغف بالحقيقة واستخلاصها في كل أغراضه التي أجاد فيها؛ ومن ثم خلا شعره أو كأنه خلا... من أوصاف الطبيعة في جمالها بلغة الفكرة المتأمل، ومن أوصاف الجمال في سحره بلغة القلب العاشق.
وأنت فلا تحسبن الشاعر يجيد في الغزل والنسيب من أنه شاعر يحسن الصنعة ويجيد الأسلوب، فيكون غرض من الشعر سبيلًا إلى غرض، وفن عونًا على فن، وتكون رقة الألفاظ وهلهلة النسج، وقلبي، وكبدي، ويا ليلة ويا قمرًا، ويا غزالًا ... وأشباه ذلك- غزلًا ونسيبًا؛ كلا ثم كلا، والثالثة كلا أيضًا....
إن الغزل وأوصاف الجمال موهبة في الشاعر أو الكاتب تسخر لها قوى هي أشبه في معجزاتها بما سخر لسليمان من قوى الجن والريح، غير أنها قوى آلام ولذات ووساوس؛ تلك عظمة في بعض النفوس الشاعرة كعظمة الملوك والأبطال، غير أنها لا تكمل إلا خائبة أو مغلوبة، فإذا انتصرت سقطت فلا بد لها من تاريخ وحوادث ومزاج عصبي يهيئ لها بروحانية شديدة الحس شديدة الفورة ثائرة أبدًا لا تهدأ إلا على توليد معنى بديع في جمال من تحبه أو كجماله؛ ثم إذا هدأت بذلك أثارها أنها هدأت، فتعود إلى التوليد، فلا تزال تبتدع وتصف كأنها آلة تعبير تدور بقلب وعصب؛ هناك قوتان: إحداهما توتي الحب كما يصلح غرامًا وعشقًا، والأخرى فوق هذه تؤتي الحب كما يصلح فكرًا وتعبيرًا؛ والأولى تجعل صاحبها عاشقًا يحب ويدرك ليس غير، والثانية تجعله محبًا عمله أن ينقل من لغة ما في نفسه إلى ما حوله، ومن لغة ما حوله إلى ما في نفسه؛ فهو مترجم النفس إلى الطبيعة، ومترجم الطبيعة إلى النفس؛ والذي أعرفه أن"حافظ"لم يرزق لا هذه ولا تلك، فلا طبيعة فيه للغزل وفلسفة الجمال؛ ثم إن التاريخ حصره في"الشاعر الاجتماعي"الذي اختار أن يمتاز به، فهو في أكثر شعره كان ليس فيه شخص، بل فيه شعب مأسور غفل عن الجمال وعن الطبيعة وعن النشوة بهما؛ إذ يعيش في معاناة الحرية لا في التأمل الجميل، وفي