وما تمهل يومًا في ندى وردًىإلا قضيت للمح البرق بالكسل
غير أن"حافظ"نقل المعنى إلى حقه، ومكن له أحسن تمكين في صدر كلامه، وأتم جماله في قوله"حين خلتم"، فاقتطع المعنى وانفرد به، وعاد معنى السعدي كالصعلوك على باب بيته؛ وكانت هذه المقابلة في المقتطف آخر عهدي بحافظ، فلم أره من بعدها؛ رحمه الله!
وما مر بك إنما كان من صناعة الشعر في غير الجزء الأول من ديوانه بعد أن استفحل وتخرج في مدرسة الإمام، أما في الجزء الأول فله هو صعاليك... كقوله في الخمر:
خمرة قيل إنهم عصروهامن خدود الملاح في يوم عرس
فهذا البيت صعلوك عند قول ابن الجهم:
مشعشعة من كف ظبي كأنماتناولها من خده فأدارها
وقول حافظ:"عصروها في خدود الملاح"كلام من لم ينضج في البيان ولا الذوق، لا يكاد يتوهم معه إلا أن في خدود الملاح"خراجات"عصرت...
وعلى ضد هذا قول ابن الجهم:"تناولها من خده"، فهي كلمة أكثر نعومة من ذلك الخد وأجمل نضرة.
وقول حافظ في مدح الخديو:
يا من تنافس في أوصافه كلميتنافس العرب الأمجاد في النسب
فهو صعلوك على بيت أبي تمام:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت لهحتى ظننت قوافيه ستقتتل
ولا نطيل الاستقصاء، فإنما نريد التمثيل حسب.
وكان الشاعر أول نشأته يأخذ في طريقة المعري الذي عمي عن الطبيعة فجعل يخلقها من فكره ومحفوظه بمبالغات كاذبة يغرق فيها يحسب أنه بذلك يعظم الحقائق فتخرج له الأخيلة الكبيرة، وما يدري أنه بهذا الغلو لا يجيء إلا بالأباطيل الكبيرة... ولكن حافظ في مزاجه وتركيبه ونشأته كان رجلًا مبنيًا على الوضوح والقصد. فلم يفلح في