فإني لأخشى أن يضلوا فيومئواإلى نور هذا الوجه بالسجدات
مع أن معنى حافظ مأخوذ منهما، ولكن انظر كيف جاء به؟ ويقول المعري في رثاء أبيه:
ولو حفروا في درة ما رضيتهالجسمك إبقاء عليك من الدفن ويقول في رثاء غيره:
واخْبُوَاه الأكفان من ورق المصحف كبرًا عن أنفس الأبرار
وهذان أيضًا كالصعاليك عند قول حافظ في البارودي:
لو أنصفوا أودعوه جوف لؤلؤةمن كنز حكمته لا جوف أخدود
وكفنوه بدرج من صحيفتهأو واضح من قميص الصبح مقدود
مع أن"حافظ"ألمَّ بقول المعري. ومن بديع ما اتفق له في قصيدة"الأمتان تتصافحان"قوله يصف السوريين:
رادوا المناهل في الدنيا ولو وجدواإلى المجرة ركبًا صاعدًا ركبوا
أو قيل في الشمس للراجين منتجعمدوا لها سببًا في الجو وانتدبوا
فاقرأ هذين وأقرأ بعدهما قول المتنبي في سيف الدولة:
وصول إلى المستصعبات بخيلهفلو كان قرن الشمس ماء لأوردا
فإنك تجد بيت المتنبي صعلوكًا على بيتي حافظ، مع أنه المبتدع السابق.
وأعجب ما عجبت له هذا البيت من شعر صاحبنا في مقطوعة يخاطب بها الأمريكان، نشرها في المقطم من ثلاث سنوات أو نحوها، قال:
وتخذتم موج الأثير بريداحين خلتم أن البروق كسالى
واتفق يومئذ أن كنت جالسًا في زيارة الصديق الأستاذ فؤاد صروف محرر المقتطف، فجاء حافظ، فلم يكد يصافحني حتى قال: كيف ترى هذا البيت: وتخذتم موج الأثير بريدا... الخ؟ فأثنيت عليه الذي يهوى، وهنأته بهذا المعنى، وأظهرت له ما شاء من الإعجاب، ولكني أضمرت عجبي من حسن ما اتفق له فإن الجمال الشعري في البيت إنما هو في استعارة الكسل للبروق، وهذا بعينه من قول ابن نباتة السعدي في سيف الدولة: