على فكره؛ فزاد ذلك في رونق شعره ومائة، ونحا به منحى المطبوعين، فخرج يتدفق سلاسة وحلاوة، ممتلئًا من صواب المعنى وبلاغة الأداء وقوة التأثير؛ وبهذا نبغ في الرثاء ووصف الفجائع نبوغًا انفرد به، حتى لأحسب أن هناك روحًا يمده في هذه المواقف، وأن الحقيقة تتبرج له في هذه العظائم خاصة ليرى منها ما لا يراه غيره؛ وهو يتحدّ بالعظيم الذي يرثيه فيجيد فيمن يعرفه إجادة منقطعة النظير، تتبين الفرق بينها وبين شعره فيمن لا يعرفه تلك المعرفة؛ وأحسبه يسأل روح العظيم الذي يصفه أو يرثيه: أين المعنى الذي فيه حقيقتك؟ وأين الحقيقة التي فيها معناك؟
والفلسفة الشعرية كلها أن يحل في الشاعر الملهم ذلك السر الجميل الجاذب والمنجذب معًا، المستقر والمتحول جميعًا، الباطن والظاهر في وقت؛ فيكتنه الشاعر ما لا يدركه غيره، فيقف على الجمال والحسن والرقة، ويلهم الحكمة والبصيرة ويتناول الأغراض بالتحليل والتركيب، ويؤتى التعبير عن كل ذلك في طريقة خاصة به هي أسلوبه، وهذا لم يتفق على أتمه وأحسنه في حافظ، فقصر به في توليد المعاني المبتكرة، ونزل به في الغزل ووصف الجمال؛ بيد أنه اتفق له مثل هذا الجلال بعينه في"الجانب المتألم من شعره"، أي الرثاء والشكوى ووصف الفجيعة، ولو ذهبت تستعرض المراثي في الشعر العربي، ومثلت بينها وبين رثاء حافظ للعظماء الذين خالطهم، كالأستاذ الإمام، والبارودي، ومصطفى كامل، وثروت، لراعك أنك واجد للشعراء ما هو أسمى من معانيه وأقوى من خياله، ولكنك لا تجد البتة ما هو أفخر وأدق مما جاء به في هذا الباب، كأنه منفرد في العربية بهذه الخاصة.
وهذا المعري يقول:
ولولا قولك الخلاق ربيلكان لنا بطلعتك افتتان
ويقول في شعر آخر:
أسهب في وصفه علاك لناحتى خشينا النفوس تعبدها
وهذان البيتان تراهما صعلوكين إذا قستهما بقول حافظ في رثاء الشيخ محمد عبده:
فلا تنصبوا للناس تمثال"عبده"وإن كان ذكرى حكمة وثبات