فهرس الكتاب

الصفحة 986 من 1123

ونفي إلى غير أرضه، ووضعت روحه بإزاء روح الفقر وقيل لها: عدو ما من صداقته بد.

ثم جاء إلى مصر واتصل بالإمام الشيخ محمد عبده، واستقال من الجيش وفرغ للأدب؛ فبدأ من ثم تكوينه الأدبي المندمج المحكم، أما قبل ذلك إلى سنة 1901 التي طبع فيها الجزء الأول من ديوانه، فكان شعره قليلًا ظاهر التكلف، وأكثره يدل على طريقة مضطربة لم تستحكم، وفكر لم ينضج، وموهبة في التوليد الشعري بينها وبين الاستقلال أمد قريب.

ودرس في مدرسة الشيخ محمد عبده من سنة 1899 إلى سنة 1905، وهذا الإمام -رحمه الله- كان من كل نواحيه رجلًا فذًّا، وكأنه نبي تأخر عن زمنه؛ فأُعطي الشريعة، ولكن في عزيمته، ووُهب الوحي ولكن في عقله، واتصل بالسر القدسي ولكن من قلبه؛ ولولا هو ولولا أنه بهذه الخصائص، لكان حافظ شاعرًا من الطبقة الثانية، فإنه من الشيخ وحده كانت له هذه القوة التي جعلته يصيب الإلهام من كل عظيم يعرفه، وكان له من أثرها هذا الشعر المتين في وصف العظماء والعظائم وهو أحسن شعره.

ولم يجد حافظ من قومه ما يجعله لسانهم حتى تنطقه بالوحي نفسيتهم التاريخية الكبرى، ولا تولاه ملك أو أمير يرغب في أدبه رغبة أديب ملك، أو أديب أمير، ليظهر منه عبقرية جديدة في التاريخ؛ ولا عرف الحب الذي يجعل للشاعر من سحر الحبيب ما يجمع النفسية التاريخية والملكية معًا ويزيد عليهما؛ وهذه الثلاثة التي لم تتفق لحافظ، هي التي لا ينبغ الشاعر نبوغًا يفرده ويميزه إلا بواحد منها أو باثنين أو بها كلها؛ غير أن"حافظ"وجد في الإمام ما هو أسمى من كل هؤلاء في النفس والجاذبية، وعرف فيه من ذوق الأدب والبلاغة ما لم يعرف شاعر في ملك ولا أمير؛ وقد حضر درسه في المنطق وأسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، وخرج منها بذوقه الدقيق وأسلوبه المتمكن، وحضر مجالسه وخرج منها بمواضيعه الاجتماعية وأغراضه الوثابة، وحضر نظرات عينيه وخرج منها بروحانية قوية هي التي تنضرم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت