فهرس الكتاب

الصفحة 985 من 1123

يبلغ بها الذوق، ووقف على أسرار تركيبها، وعرف منه الطريقة التي نبغ بها البارودي، وهي قراءته دواوين فحول الشعراء من العرب ومن بعدهم، وحفظه الكثير منها؛ فبنى شاعرنا من يومئذ قريحته على الحفظ، ولم يزل يحفظ إلى آخر عمره؛ إذ كانت قريحته كآلة التصوير: لا تنبه لشيء إلا علقته وهذا سبب من أسباب ضعف خياله، ولكنه رد عليه من القوة في اللغة ما تناهى فيه إلى الغاية.

واتفق لذلك العهد أن طبعت لزوميات المعري في مصر، فتناولها حافظ واستظهر أكثرها، فكانت باعث ميله ونزعته إلى الشعر الاجتماعي؛ والفرق بين حافظ وبين المعري في الموهبة الفلسفية هو الذي نفذ بالمعري إلى أسرار كثيرة ووقف بحافظ عند الظاهر وما حوله، يطير هناك ويقع.

وقد كان صاحبنا ضعيف من هذه الناحية، فاستصعبت عليه أسرار واستغلقت أخرى من أسرار الخير والشر في الحياة، والجمال والحسن في الخليقة، والجلال والإبداع في الكون، والإقرار والشك في كل ذلك؛ وقد بلغ المعري من هذا مبلغًا لا بأس به، إلا أنه لم يصف كما تصفي الأشياء في عين مبصرة؛ فخبط وخلط؛ ووضع من أغراض نفسه المريضة على الصحيح والمريض جميعًا. وتابعه حافظ في طريقة أخرى سنشير إليها بعد.

وفتن شاعرنا بما قرأ في"الوسيلة"من شعر البارودي، فأصبح من يومئذ تلميذه، وسار على نهجه في قوة اللفظ وجزالة السبك ومتانة الصنعة وجودة التأليف على نغم الألفاظ وأجراس الحروف، ولكنه لم يدرك شأو البارودي في ذلك؛ لأن هذا جمع من دواوين الشعراء وكتب الأدب ما لم يتفق لغيره في عصره، وأدخل في شعره أحسن ما صنعت الدنيا في ألف سنة من تاريخ البلاغة العربية؛ ولذا انتقل عنه حافظ إلى طريقة مسلم بن الوليد في التصنيع ولزمها إلى آخر مدته.

وابتدأ يعالج الشعر في السودان وينظم في جنس ما هو بسبيله من وصف الهم المستولي عليه من جميع جهاته؛ إذ كان يتيمًا فقيرًا مشردًا، ويرى نفسه شاعرًا تصده الحياة عن منزلة الشاعر وعن أمكنة الشعر، كالذي غصب ميراثه من عرش وملك،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت