على أن شاعرنا الاجتماعي"كما كان يجب أن يوصف -رحمه الله- وإن كان قد نفخ في روح الشعب أنفاسه إلهية، وأحسن في وصف حوادثه وآلامه وعيوبه، وأبلغ البيان في كل ذلك- فإنه نزل في هذه المرتبة عن وضعه الصحيح، فكان في منزلته بمكان الشرطي في الطريق: يقف للجرائم والحوادث، على حين أن مقامه الاجتماعي من الشعب مقام المعلم في مدرسته: يجلس للطباع والأخلاق، ليس الشأن أن تجد في شعر الشاعر حوادث عصره أكثرها أو أقلها، فإن فوق هذه منزلة أعلى منها، وهي أن توجد حوادث النهضة بشعر الشاعر، وأن يكون في شعره العنصر الناري من اللغة الشعبية."
على أن"حافظ"-رحمه الله- أدرك كل هذا في آخر عهده، فكان يريد أن يميت ديوانه ويستخرج منه جزءًا صغيرًا يختار فيه ألف بيت ويسقط ما عداها وإن... وإن كان فيه شعر اجتماعي... ومع هذا النقص الذي بعثت عليه طبيعة الزمن وطبيعة الشاعر معًا، فإن تمام حافظ في مذهبه الاجتماعي الذي نبغ فيه جاء من وراء القوة وفوق الطاقة، لا يجاريه فيه شاعر آخر، بحيث دل على أن النابغة قدر إلهي لا ينقص من عظمته أن يكون حادثة واحدة تدوي دويها في الدنيا، فهو ميسر منذ نشأته لما خلق له من ذلك، فأحكمته المدرسة الحربية، ثم قيده الجيش، ثم تقاذفه السودان، ثم قذف به الظلم، ثم تولاه إمام عصره الشيخ محمد عبده، وهو كذلك في غاياته الوعرة ومقاصده العمرانية ومعاناته لإصلاح- مدرسة حربية وجيش وفلاة، فلم يكن حافظ إلا الصوت الإنساني الذي أعد بخصائصه للتعبير عن حوادث أمته وخصائصها، وكأنه في نقلته من السودان إلى مصر قد انتقل من جيش يحارب الأقوام الأعداء لأمته، إلى جيش آخر يحارب المعاني الأعداء لأمته.
ولد حافظ إبراهيم سنة1871، وكان الكتاب الأول الذي هداه إلى سر الأدب العربي وأرهف ذوقه وأحكم طبيعته، هو كتاب"الوسيلة الأدبية"للشيخ حسين المرصفي، المطبوع في مصر لخمس وخمسين سنة؛ ففي هذا الكتاب قرأ حافظ خلاصة مختارة محققة من فنون الأدب العربي في عصوره المختلفة ودرس ذوق البلاغة في أسمى ما