يسمى شعره فنًّا؛ إذ كان الفن إنسانيًّا وكان شاملًا عامًّا والمقاييس التي يطرد عليها الفن الأدبي لا تكون في الزمن ولا في الموضع، بل في النفس الإنسانية التي لا تخص بوقت ولا مكان، فإذا لم يكن الشعر إنسانيًّا عامًّا يولد ك لجيل من الناس فيجده كأنما وضع له وارتهن بأغراضه وحقائقه، فهو شعر"كالأخبار المحلية"، وهذا وجه الشبه بينه وبين ما أشرت إليه آنفًا من نظم مقالات الجرائد.
فمقالات الجرائد هذه لا تأتينا بالأشياء التي نحن منها في الإنسانية والطبيعة والجمال وحقائق الحياة والموت، بل التي يكون منها يومنا المرقوم بأنه يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا.. فإذا مات اليوم ماتت الجريدة، ثم تولد ثم تموت، وقد أدرك المتنبي سر الشعر وأنه قائم على تحويل الشعور الإنساني إلى معرفة إنسانية، فخلد شعره، فلا يمكن أن يمحى من العربية ما بقيت. وهذا على ما يقدح من وجوه الاعتراض والنقص، وعلى أن المتنبي كان ضعيفًا في ناحية الجمال والحب ضعفًا ظاهرًا كضعف شاعرنا حافظ في هذا المعنى، ولكن حكمته الإنسانية ودقة أوصافه وإقامته الفضائل والرذائل في كمالها الفني مقام تماثيل بارعة من الجمال، كل ذلك ترك شعره مستمرًّا باستمرار الحياة وباستمرار الإنسانية وباستمرار الذوق.
إن هذا الكون مبني في نفسه مما يعلم العلم تركيبه ولا يعلم سر تركيبه إلا الله وحده، ولكنه مبني في أنفسنا من عمل الحواس، ثم من التعليل والتفسير؛ أما الحواس ففي كل حي، لا تخلق بصناعة ولا عمل؛ وأما التعليل والتفسير فهما من صناعة الشاعر والأديب، فكلاهما يخلق لإتمام الخلق في الحقيقة، وهي منزلة لا أدري كيف يمكن أن تمسخ حتى تقتصر على معنى الشاعر الاجتماعي أو السياسي، فترجع به نمطًا واحدًا، مع أن الآثار الأدبية وفي جملتها الشعر -إن هي إلا قوى الفكرة وإلهام النفس وبصيرة الروح مسجلة كلها في بواعثها وأسبابها من نفس عالية ممتازة؛ وهذه القوى كثيرة التحول، فيجب ضرورة أن تكون آثارها كثيرة التنوع، وتنوع الصور الفكرية في آثار الشاعر أو الأديب ومجيئها متوافرة متتابعة هو معيار أدبه وقياس نبوغه عاليًا أو نازلًا، ومتبعًا أو مبتكرًا، وفيما يضيء من نواحيه وما ينطفئ.