في شعره إلى الأبد، فحافظ إحدى حسنات الشيخ على العالم العربي، وهو خطة من خططه في عمله للإصلاح الشرقي الإسلامي والنهضة المصرية الوطنية وإحياء العربية وآدابها؛ وإذا ذكرت حسنات الشيخ أو عدت للتاريخ، وجب أن يقال: أصلح وفعل وفعل وفسر القرآن وأنشأ حافظ إبراهيم...
ومضى شاعرنا موجَّهًا بفكرة الإمام وروحه، واستمر في ذلك بعد موت الشيخ كما يستمر النهر إذا احتفر مجراه: لا يستطيع أن يخرج عنه ما دام يجري إلى مقارِّه.
وكان حافظ في بديعه وصناعته على مذهب مسلم بن الوليد كما قلنا، وهو مثله إبطاء في عمل الشعر، وتلومًا على حوكه، وانفرادًا بكل لفظة منه، وتقليبًا للنظر فيما بين الكلمة والكلمة، واعتبار كل بيت كالعروس: لها معرض وحلية وزينة؛ فإذا عمل شعرًا انبث خواطره في كل وجه، وذهب وراء الألفاظ والمعاني، وترك هاجسه"العقل الباطن"1 يعمل عمله فيما التوى عليه أو استصعب، وهو واثق أنه سينقاد ويتسهل بقوة إن لم تكن فيه الآن فستكون فيه؛ ثم ينظم ما يتسمح إن جاء في موضعه من القصيدة أو في غير موضعه، فلا يتبع فيها نسقًا بعينه، وإنما القصيدة عنده كل سيجتمع من بعد، تتهيأ أجزاؤه متسقة ومبعثرة كما يجيء بها الإلهام وأسباب الاتفاق؛ فالقصيدة أولًا في أبياتها، ثم تكون أبياتها فيها، أي ثم ترتب الأبيات وتنزل في منازلها، ولا ينظم إلا متغنيًا، يروض الشعر بذلك؛ لأن النفس تتفتح للموسيقى فتسمح وتنقاد، وهو يتبع في ذلك طريقة
1 كذا سماه المؤلف هنا، وقد سماه في غير هذا الموضع"الواعية الباطنة".
معروفة ذكرها ابن حجة الحموي في كتابه"خزانة الأدب"، وهي من وصية أبي تمام البحتري، وكان المتنبي يعمل عليها؛ وبالجملة فإن"حافظ"يرتهن فكره بالقصيدة التي ينظمها ويتوفر عليها وعلى أسبابها، لا كما يفرغ الشاعر للشعر، ولكن كما يتوفر المؤلف العظيم على كتاب يؤلفه، وهو كذلك يبطئ في نثره أكثر مما يبطئ في