وإذا هو منبعث ملء القوة والنشاط؛ وربما يأخذ في غرض من الكتابة قد رسم له المعنى وهيأ له المادة، فلا يكاد يمضي لنحو منه حتى تتناسخ في ذهنه المعاني فإذا هو يكتب ما لا يستملي؛ وقد يبتدئ معنى ثم يقطع عنه بطارئ من عمل أو حديث، ثم يعاوده فإذا هو معنى آخر وإذا جهة من الفكر هي جهة الإبداع والاختراع في موضوعه، وإذا هو إنما كان يجر بذلك الصارف عن معناه الأول جرًّا ليدعه إلى الأكمل والأصح، وأيقن أنه لو كان استوفى على ما بدأ لأسف وضعف وجاء بما غيره أقدر عليه؛ كأن هذه القوة الخفية التي تلهمه تنقح له أيضًا بأساليبها الغريبة؛ وقد يكون آخذًا في عمله ماضيًا على طبعه مسترسلًا إلى ما ينكشف له من أسرار المعاني ثقفًا من هنا لقفًا من هناك*، ثم ينظر فإذا هو قد مسح لوح خياله، ويطلب المعنى فلا يتاح له، ويتمادى فلا يزيد إلا كدًّا وعسرا كأنما ذهب إلهامه في غمض من غموض الأبدية*؛ وكل من ارتاض بصناعة الفكر واستحكمت له عادتها ومر في درجاتها حتى بلغ المكانة التي يستشرف منها للإلهام ويتعرض فيها بروحه وبصيرته لنبضات الوحي وانكشافات الغيب، يعلم أن كل معنى بديع يأتي به في صناعته إنما يقع له إلهامًا من ذلك المعنى الحي المتمدد في الكائنات كلها، ظاهرًا في شيء منها بالضوء، وفي أشياء بالألوان، وفي بعضها بالحركة، وفي بعضها بالانسجام، وفي بعضها بالروعة والفخامة، وفي غيرها بنبضة الهيئة؛ وظاهرًا في حالات كثيرة بأنه غير ظاهر؛ ويعرف كذلك أن هذا المعنى الشامل الذي لا يحد هو الذي ينقل الوجود كله إلى نفوس النوابغ** متى نبض في هذه النفوس الرقيقة وأشعرها سره، وإذا هم النابغة أن يتوضحه لا يرى شيئًا، وإذا أراد حجة عليه لم يستطع الجلاء عن بيانه بكلمة، وإذا التمس التعريف به لم يجد إلا ما يشهد له إحساسه وقلبه، وهذا الذي ينقدح في أذهان النوابغ أفكارًا حين يفيض لكل منهم بسبب من قراءة أو مشاهدة أو حالة أو مراس، وهو هو بعينه الذي ينقدح عشقًا في قلوب المحبين حين يتراءى لكل منهم في معنى على وجه جميل؛ ومن ثم كان النابغة في الأدب لا يتم تمامه إلا إذا أحب