* من الكيس وهو العقل فيكون عاقلا ويريد أن يزداد على مقداره.
** هذه هي الكلمة القديمة التي تقابل ما نسميه العبقري بلغة عصرنا، كأن الأشياء تحدثه بأسرارها، أو تحدثه بها قوة أعلى من القوى الإنسانية؛ وإذا كان محدثا فمعنى ذلك أنه ينطق عن سمع من الغيب؛ ومن ذلك ما زعم العرب من أن لكل شاعر شيطانا ينفث على لسانه، وهووصف دقيق للعبقرية إلا أنه باللغة الجاهلية، وقد صححه النبي صلى الله عليه وسلم فقال لشاعره حسان: قل وروح القدس معك. وفي كلمة"روح القدس"تنطوي فلسفة العبقرية كلها.
وليست تتصل هذه القوة إلا بتركيب عصبي تكون فيه الخصائص التي تصلح أن تتلقى عنها، وهي في العبقريين خصائص مرضية في الأعم الأغلب، بل لعلها كذلك دائما؛ ليتسرَّ بها العبقري لحالة خفيفة من الموت... يحمل بها كده وتعبه وما يعانيه من مضض الفكر وثقلته؛ ثم لتكون هذه الحالة كالتقريب بين عالم الشهادة فيه وبين عالم الغيب منه؛ فالتركيب العصبي في دماغ العبقري إنسان على حياله مع إنسان آخر، أحدها لما في الطبيعة والثاني لما وراء الطبيعة؛ ومن ثم كان الرجل من هذه الفئة كالمصباح: يتقد وينطفئ؛ لأنه آلة نور تعرض لها العلل فتذهب بقدرتها عليه، وتنضب مادة النور منها، فكذلك لا تقدر عليه، وتكون مضيئة فتنطفئ بسبب ليس منها ولا من نورها، وهي على كل هذه الأحوال لا تملك منها حالة؛ فبينما العبقري الذي يملأ الدنيا من آثاره النابغة، تراه في حالة من أحواله يدأب لا يأتلي فيجد في العمل ويبذل الوسع فيه ويصبر على مطاولة التعب في إحكامه ويفيض به فيضا وكأن في طبيعة الربيع المتفتح طول أيامه بالجمال - إذا هو في حالة أخرى يتلكأ ويتربص لا يعمل شيئا كأنما دخل في قريحته الشتاء، وفي ثالثة يتباطأ ويتلبث فلا يعنُّ له جديد كأنما حبس عنه فكره أو نبا طبعه أو هو في قيظ طبيعته وخمولها وضجرها؛ ثم لا تمضي على ذلك إلا توَّةٌ وساعة فإذا على صيفه هواء نوفمبر وديسمبر...