فهرس الكتاب

الصفحة 937 من 1123

ليعمل فيها الكاتب أو الشاعر المحدث2 عمل فنه، الزائد على الطبيعة بالحاسة الزائدة على ذهنه، وهي التي نسميها الإلهام.

= تطلق في الأدب العربي إلا على فئتين فقط، هما البصريون والكوفيون، على أن كلمة مذهب هي المستعملة في هذا، وهي أسد منها؛ إذ يدل المذهب على منحى اختاره الرأي وذهب إليه، فكأنه عن تحقيق في صاحبه وتابعيه؛ أما تسمية مجموعة الإلهامات التي مرت في ذهن نابغة من النوابغ بالمدرسة، فتسمية مضحكة باردة؛ إذ الإلهام بصيرة محضة، وما هو مما يقلد، وقلما تشابه ذهنان على الأرض في عناصر التكوين التي يأتي منها النبوغ؛ وقد قال علماؤنا: طريقة فلان وطريقة فلان؛ فالطريقة هي الكلمة الصحيحة؛ لأن عليها ظاهر العمل وأسلوبه يتوجه بها من يتوجه، ويقلد فيها من يقلد، أما سر العمل فهو سر العامل أيضًا، وهو شيء في الروح والبصيرة، وهو في العبقري أمر لا يستطيعه إنسان وشذ في إنسان بخصوصه.

وهذه الحاسة هي كذلك من بعض الغرابة، تكون في صاحبها الموهوب كما تكون حاسة الاتجاه في الطيور التي تقطع في جو السماء إلى غاياتها البعدية من قطب الأرض إلى قطبها الآخر بغير دليل تحمله، ولا رسم تنظر فيه، ولا علم ترجع إليه؛ وكما تكون حاسة التمييز في النحل الذي يبني عسلته على هندسة ليست من كتاب ولا مدرسة، وحاسة التدبير في النمل الذي يدبر مملكته بغير علوم الممالك وسياستها؛ وكثيرا ما يجيء الأديب الملهم من حقائق الفكر وبيانه وأسرار الطبائع وأوصافها بما يغطي على فلسفة الفلاسفة وعلم العلماء، ومثل هذا العبقري هو عندي فوق العلم، لا أقول بدرجة، ولكن بحاسة.

وبالإلهام يكون لكل عبقري ذهنه الذي معه وذهنه الذي ليس معه؛ إذ كنت له من وراء خياله قوة غير منظورة ليست فيه، ومع ذلك تعمل كما تعمل الأعضاء في جسمه، هينة منقادة كأنها تتصرف على اطراد العادة بلا فكر ولا روية ولا عسر ما دامت تتجلى عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت