والمائة والألف على طراز لا يختلف؛ إنما تنطبق هذه الكلمة على المذاهب المستقرة في الفنون التعليمية، وفي هذا لا
غير أن طبيعة العبقري تزيد على كل ذلك ألمًا تنفرد به لا تستقر معه على رضا، ولا يبرح يسلط الإعنات عليها ويستغرقها قالهموم السامية؛ وذلك ألم الكمال الفني الذي لا يدرك العبقري غايته عند نفسه، وإن كان عند الناس قد أدرك غايات وغايات؛ فطبيعة كل عبقري تجهد جهدها في العمل لتخرج به مما يستطيعه الناس، فإذا تأتى صاحبها لذلك وكابد فيه وأدرك منه وبلغ وأعجز، اندفعت طبيعته إلى الخروج مما يستطيع هو.. كأنه خارج عن الطبيعة وداخل في الطبيعة في وقت معًا، وكأنه نفسه وفوق نفسه في حال، وهذا سر حريته وسموه، كما أنه سر ألمه وحيرته.ومن أثر ذلك ما تحسه أنت إذا قرأت للأديب البليغ التام صاحب الفكر والأسلوب والذهن الملهم؛ فإنك تقف على المعنى من معانيه يملأ نفسك ويتمدد فيها ويهتز بها طربًا وإعجابًا، فنقول: لا أحس من هذا! ثم تؤمل مع ذلك أن تجد منه ما هو أحسن من هذا .. كأنه وإن تناهى إلى الغاية لا يزال عندك فوق الغاية؛ وهذا غريب، ولكن لا دليل على العبقرية إلا الغرابة دائما؛ فهي نظام لا نظام فيه؛ لأها طريقة لا طريقة لها؛ وبهذه الغرابة جاءت العبقرية كلها أمثلة وليس فيها قواعد يحتذى عليها ولا هداية فيها إلا من الروح؛ وإذا كان الفن قدرة متصرفة في الجمال، فالعبقرية قدرة متصرفة في الفن، والنابغة كالمتكيس* الذي معه قوي العقل ويريد أن يزداد على قدره منها، ولكن العبقري كالإلهي الذي معه قوى الروح ويريد أن يزيد الناس على قدرهم بها؛ وذاك مرجعه الفكر الدقيق الباحث؛ وهذا مناطه البصيرة الشفافة النافذة، وهي أغرب الغرائب في الإنسان؛ إذ هي الجهة المطلقة في هذا المخلوق المقيد، وبها تتسع الناس لإدراك المطلق الظاهر من خلال الموجودات، وفيها تتحول الأشياء من نظام الحاسة إلى نظام الروح فيسمع المرئي ويبصر المسموع، وتخلع الأجسام أنغاما، وتلبس الأصوات أشكالا، ويبدو عندها كل مخلوق وكأن فيه بقية زائدة على خلقه تركت